الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

وظائف الأشياء

موسيقى الأنشودة لا تحتاج إلى أوركسترا ويمكن لأي ندّاف قطن أن يؤدي اللحن كاملا دون إخلال وتنشيز على آلة الندافة التي تشبه قيثارة أفقية ذات وتر واحد. لكنها البروباغاندا، وسحرها يجعلنا نطرب لـ”دقوهم دق'.

العرب حسين صالح [نُشر في 2018/01/23، العدد: 10878، ص(24)]

حيثما تكون هناك وظائف وخصائص للأشياء تكون هناك غايات ينبغي الانتباه إليها والعمل بها. الكذب مثلا له وظيفة وعلينا أن نصدقه ليتم عمله ويؤدي وظيفته. ودائما أعتقد أن الكذب الذي لا يصدقه أحد ليس كذبا. لذلك آليت على نفسي أن أصدق الأكاذيب لأن تصديقها واجب إنساني تمليه علينا الرغبة في تحقيق مرامات الأشياء وأهدافها.

ينبغي أن يظل الكذب موجودا ويمارسه الناس لأنه لولاه لما كان هناك تنين ينفث نارا وأفاع تطير وجبال تنشق، بل لولاه لما كان هناك صدق. الاثنان يعيشان معا ويعتمد أحدهما على الآخر في وجوده. اعتماد الشيء على نقيضه لكي يبقى يذكرني بصديق متدين جدا كنت أعرفه وكان يتسامح مع الرغبات الجنسية ولا يعترض عليها ولا على عشق النساء قائلا “لولا تلك الرغبات لما عرفنا العفة".

في الحروب والصراعات يبرز ويتسيد نوع من الكذب هو البروباغاندا. وكان تشرشل يقول الحقيقة هي أول ضحية تسقط في أي حرب. الأغاني الوطنية ليست البروباغاندا الوحيدة بالطبع. فموسيقى باخ الكنسية الرائعة كلها بروباغاندا لملكوت السماء والملائكة.

أحب البروباغاندا وأقع فريسة لها متطوعا. فيها جماليات غريبة. فاتتني حرب العراق (بلدي) مع إيران. كنت في بريطانيا وضاعت عليّ سنين من البروباغاندا الممتازة القارحة. كنت أتابع أخبار الحرب في الإعلام البريطاني، قبل عصر الفضائيات، وهي تقارير رصينة ومعقمة وخلو من الزغاريد و”الهوسات” وباقي المؤثرات الصوتية.

أتيح لي أن استثار وأن أتحمس لبروباغاندا حرب إيران بأثر رجعي قبل أسابيع، كانت ثمة أنشودة تدعو إلى القتل بل وإلى الإثخان في القتل. تقول “ها يا جنود الحق.. ها دقوهم دق” هذه الدعوة إلى سفك الدماء تأتيك مغلفة بالزغاريد والبهجة، لتجد نفسك تردد مع المنشدين وبغبطة وسعادة “ها دقوهم دق”، هذا وأنت الإنسان المسالم الذي يحزن لموت عصفور. هذه هي البروباغاندا، وأنا أحبها وأستسلم لها لمفعولها الساحر هذا.

تلاحظ من بداية الأمر أن أنشودة “أصحاب الحق” ليست من بروباغاندا باخ القدسية في شيء. لكن الوظيفة والمفعول متشابهان. شعر الأهزوجة العراقية لا يساوي شيئا لولا الحرب. يعني أنه شعر يحتاج إلى حرب كاملة ليصير ذا قيمة.

اللحن أيضا ليس مما يستحق الاندماج معه والإحساس به. موسيقى الأنشودة لا تحتاج إلى أوركسترا ويمكن لأي ندّاف قطن أن يؤدي اللحن كاملا دون إخلال وتنشيز على آلة الندافة التي تشبه قيثارة أفقية ذات وتر واحد. لكنها البروباغاندا، وسحرها يجعلنا نطرب لـ”دقوهم دق".

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر