الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الكوميديان جيمي موراليس تضعه صناديق الاقتراع على كرسي الرئاسة

الكوميديان السابق يصر على عدم استخدام مفردات كثيرة في القاموس السياسي أو الاقتصادي لوضعها شعارا لحملته الانتخابية، قائلا لمواطنيه 'انتخبوني فأنا لست لصا، ولست فاسدا'.

العرب ثائر الزعزوع [نُشر في 2015/11/01، العدد: 10084، ص(9)]

غواتيمالي نافس رونالد ريغان على مقعد 'الرئيس ـ الممثل' الوحيد في العالم

باريس - عام 1967 حاز الكاتب الغواتيمالي الأشهر على الإطلاق ميغل أنخل أستورياس على جائزة نوبل للآداب عن رائعته الروائية “السيد الرئيس” التي كتبها عام 1946 وهي تتحدث عن “رئيس دكتاتوري، مستبد طاغ شهواني، يقتل بالسهولة التي يتناول بها طعام فطوره، حوّل وطنه إلى جحيم ومرتع للصوص والقتلة المأجورين.

معاونوه مسوخ آدمية مشوهة، مواطنوه مقهورون مُهانون أذلاء يحلمون بالحرية والحق والخير، سجونه مليئة بالشعراء والمثقفين ورجال الدين الذين رفضوا أن يصلوا له بدلاً من الله. وفي محاكمه الصورية تغيب شعارات العدالة وترتفع شعارات أكثر قسوة وظلاماً ففي هذه المحاكم من الأفضل أن تكون مذنباً على أن تكون بريئاً ولا ترضى عنك الحكومة”.

لكن كل شيء تغيّر الآن، لم يعد الحاكم مستبداً في غواتيمالا ربما، لكنه بكل تأكيد حاكم فاسد، هكذا يقول واقع الحال، ولعل ذلك الواقع هو الذي جعل الناس تيأس من البحث في أجندات السياسيين وربما العسكريين السابقين عمّا يمكن أن يقدموه وفضلوا المغامرة باتجاه جديد.

السيد الرئيس الكوميديان

لم يبحث الكوميديان السابق عن مفردات كثيرة في القاموس السياسي أو الاقتصادي ليضعها شعاراً لحملته الانتخابية أو برنامجه الذي ينتظره الناخبون، لكنه اختصر الحكاية كلها بأن قال لمواطنيه “انتخبوني فأنا لست لصاً، ولست فاسداً”، ولكن هل تكفي هذه العبارة حقاً، لينجح قائلها في انتخابات رئاسية؟

قد يبدو هذا الحدث غريباً نوعاً ما، لكن في بلد أرهقه فساد الطبقة السياسية، وأثقل كاهل مواطنيه، فربما يكون العثور على رئيس ليس فاسداً أمراً مهماً، حدث هذا هناك في غواتيمالا الجمهورية الصغيرة المكتظة بالسكان في أميركا الوسطى والتي شهدت منذ أشهر احتجاجات واسعة ضد الرئيس السابق أوتو بيريز مولينا بعد اتهامه بإدارته نظاماً للفساد داخل الجمارك يتلقى من خلاله موظفون رِشى لإعفاء بعض الواردات من الرسوم، وقد اضطر للاستقالة من منصبه في الـ3 من سبتمبر عام 2015 بعد صدور مذكرة توقيف بحقه وهو حاليّاً قيد الاحتجاز في السجن، إضافة إلى نائبته السابقة، تمهيداً لمحاكمتهما بتهم فساد.
الرئيس الغواتيمالي السابق أوتو بيريز مولينا أثناء توقيفه بعد اتهامه بإدارة نظام للفساد داخل الجمارك يتلقى من خلاله موظفون رِشى لإعفاء بعض الواردات من الرسوم

إذن ودون أيّ خبرة سياسية، وببرنامج انتخابي لا يتجاوز ست صفحات، لم تتضمن أيّ مفاتيح للطريقة التي سيحكم بها البلاد، حقق الممثل الكوميدي، جيمس موراليس فوزاً ساحقاً في انتخابات الرئاسة التي جرت بغواتيمالا يوم الأحد 25 أكتوبر 2015 على حساب منافسته من يسار الوسط سيدة البلاد الأولى سابقا ساندرا توريس.

تكمن شهرته في أنه أضحك الغواتيماليين نحو عقدين من الزمن، وقد استطاع تحويل الانتقادات لقلة تجربته في عالم السياسة التي هاجمه بسببها خصومه، لفائدته بتأكيده أنه ليس فاسداً ولا لصاً، وهو الشعار الذي جذب إليه الغاضبين من فضائح السياسيين.

صحيح أنه أثار الكثير من علامات الاستغراب بسبب بعض وعوده الانتخابية وأفكاره السياسية الطريفة التي أعلن التزامه بها، مثل تعهده بتوزيع هواتف ذكية على الأطفال، أو ربط المدرسين بجهاز تحديد المواقع (جي بي أس) للتأكد من حضورهم الفصول الدراسية، إلا أن ذلك لم يمنع الغواتيماليين من منحه أغلبية ساحقة حيث حاز على 67 بالمئة في جولة الإعادة الثانية.

وعمت الاحتفالات مقر حزب جبهة التقارب الوطني بزعامة موراليس، الذي قال لمؤيديه بعد إعلان فوزه «من موقع الرئاسة سأتمكن من خدمة 15 مليون غواتيمالي داخل البلاد ومليونين في الولايات المتحدة قدّموا الدعم لنا أيضا في هذه المناسبة»، واعدا مواطنيه «بحكم نظيف» وعدم «دفعهم للبكاء» عبر إيجاد مخرج للبلاد من أزمتها الاقتصادية.

لا يمتلك جيمي موراليس خبرة طويلة في مجال العمل السياسي، فقد برز على الساحة السياسية لأول مرة عام 2011 حين رشّح نفسه لمنصب عمدة بلدية “ميكسكو” عن حزب الحركة الوطنية للتنمية فحصل على المرتبة الثالثة. إلا أنه يمتلك خبرة طويلة جداً وشهرة كبيرة في المجال الفني والذي عمل فيه لأكثر من عشرين عاماً كان يطل خلالها عبر الشاشة على الجمهور من خلال برامج كوميدية، هي عبارة عن “سكتشات” كان يسخر فيها من الممارسات الاجتماعية اليومية، و من منظمات المافيا. كما أخرج عدداً من الأفلام، وصار بفضل نشاطه الفني شخصية معروفة داخل أوساط السينما والمسرح والإعلام.

كان آخر أفلامه السينمائية التي شارك فيها ممثلاً فيلم “في” وهو يفرد على صفحته الشخصية على الإنترنت حيزاً كبيراً لعمله الفني يذكر من خلالها الأعمال التي شارك فيها ممثلاً ومنتجاً ومخرجاً أيضاً، فيما لا يتجاوز عمله السياسي بضعة أسطر.

موراليس في أحد أدواره الكوميدية قبل أن يصبح رئيسا

علوم عسكرية ولاهوت

ولد خيمس إرنستو موراليس كابريرا (المعروف بجيمي موراليس) في 18 مارس عام 1969 في العاصمة غواتيمالا سيتي. وعندما كان جيمي في الثالثة من عمره توفّي والده في حادثة تصادم وقد اضطرت الأسرة للسكن في بيت جده بعد وفاة معيلها الوحيد، كما اضطر جيمي لبدء العمل مبكراً وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره فعمل بائعاً للموز والمياه الغازية والأحذية وبضائع بسيطة أخرى لمساعدة أسرته المتواضعة، أتمّ دراسته الابتدائية في المعهد الإنجيلي، ثم التحق بجامعة سان كارلوس للدراسة وقد حصل منها على بكالوريوس في الاقتصاد إلى جانب استمراره في دراسة اللاهوت.

حصل بعد ذلك على شهادتي ماجستير الأولى في إدارة وسائل الإعلام والثانية في الدراسات الاستراتيجية مع التخصص في الأمن والدفاع، وأكمل دراساته ليحصل على شهادة الدكتوراه في الأمن الاستراتيجي في كلية الحقوق والعلوم الاجتماعية في جامعة سان كارلوس. وشارك في العديد من الندوات وورشات العمل لخرّيجي الأمن والدفاع والإدارة العامة والإنتاج السمعي البصري. كما درس اللاهوت.

قام بالتدريس في كلية الاقتصاد وكلية علوم الاتصال في جامعة سان كارلوس في غواتيمالا، وكان أحد المتحدثين البارزين في مجالات القيادة وريادة الأعمال، والتسويق، والاتصالات والسياسة في كليات مختلفة من عدة جامعات.

في وقت مبكر من حياته المهنية كان متخصصاً في مجال التمويل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وقد أدى به ذلك إلى أن يصبح رجل أعمال ناجحاً وساهم في تأسيس العديد من الشركات، غير أن نجاحه البارز تحقق في مجال تأسيس شركات ذات طابع وطني ودولي، وعُرف بتركيزه على مجال الإنتاج التلفزيوني وصناعة الأفلام وفق منهج قيمي أثّر فيه تكوينه الديني.

الكثير من علامات الاستغراب يثيرها موراليس بسبب بعض وعوده الانتخابية وأفكاره السياسية الطريفة التي أعلن التزامه بها، مثل تعهده بتوزيع هواتف ذكية على الأطفال، أو ربط المدرسين بجهاز تحديد المواقع (جي بي أس) للتأكد من حضورهم الفصول الدراسية، ومع ذلك فقد منحه الغواتيماليون أغلبية ساحقة وصلت إلى 67 بالمئة من الأصوات

التجربة السياسة

عام 1998 وأثناء وجوده في أسبانيا لحضور إحدى الورشات التدريبية، تأثر كثيراً بقصة القائد ألكازار دو توليدو الذي ضحى بحياة ابنه من أجل كرامة أمته، وقد ساهمت هذه القصة في تغيير تفكيره بشكل كامل وجعلته يهتم بالسياسة كما يقول، ولعل هذا ما دفعه للاهتمام بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية وقد برز ذلك من خلال انتقاده الدائم لجميع الظواهر السيئة التي تعاني منها غواتيمالا من خلال إطلالاته التلفزيونية وبرامجه الكوميدية الساخرة.

بعد فشله في الوصول إلى منصب عمدة بلدية “ميكسكو” قرر موراليس الذهاب بعيداً في العمل السياسي، فشكّل مع مجموعة من السياسيين والمثقفين حركة سياسية جديدة عرفت في البداية باسم “حركة الأمة” وقد تواصلت الحركة مع عدد من التيارات السياسية الأخرى وصولاً إلى تشكيل حزب جبهة التقارب الوطني وانتخب موراليس عام 2013 أميناً عاماً للحزب، الذي لم يتمكن في الانتخابات البرلمانية السابقة من الحصول على أكثر من 11 مقعداً في الكونغرس، إلا أن حاجة الناس للتغيير دفعتهم للتوجه إلى صناديق الاقتراع والرهان على من يعترفون أنه لا يمتلك خلفية سياسية، وأنه لم يقدم حتى رؤية واضحة لكيفية إنقاذ البلاد التي يعاني نصف سكانها من الفقر والبطالة.

قد يكون اليأس دفع الغواتيماليين لانتخاب موراليس رئيساً، هم يعرفونه ممثلاً متميزاً، وربما كان رجل أعمال ناجحاً، ولكن هل يكفي هذا لتدلي بصوتك لانتخاب رئيس للجمهورية؟ يقول المحلل السياسي في معهد «أسيس البحثي» في غواتيمالا هوغو نوفاليس “إن موراليس لا يملك برنامجاً، لكنّ السخط متزايد جداً، إلى حد أن هذه القضايا لا تمثل أولوية بالنسبة إلى الناخب العادي”، فيما ترى معلمة المرحلة الابتدائية نيديا ليال أن عدم تولي موراليس لأيّ منصب من قبل يعد ميزة. وقالت “يمكن أن يساعد غواتيمالا رغم أنه لم يشغل أيّ منصب حكومي. لنأمل ألا يكون فاسداً”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر