الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الهوة تتعمق بين الإدارة الأميركية ومجتمع الاستخبارات

  • يرى المسؤولون الحاليون والسابقون أن قرار إخفاء مصادر وأساليب جمع المعلومات عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينبع بصفة أساسية من تعبير الرئيس المستمر عن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والشكوك حول العلاقة بين مسؤولين كبار في فريقه وروسيا ما يجعل مجتمع المخابرات الأميركي حذرا من إمكانية تسرب معلومات حساسة إلى موسكو.

العرب  [نُشر في 2017/02/17، العدد: 10546، ص(7)]

حديث غير مقنع

واشنطن – تتعمق كل يوم الهوة بين أجهزة استخبارات حاذقة تمثل المؤسسة التقليدية في الولايات المتحدة، والرئيس دونالد ترامب، الذي ينظر إليه مسؤولون استخباراتيون كبار بريبة وصلت إلى تعمد إخفاء معلومات حساسة عنه خشية تمريرها إلى روسيا.

لم يسبق من قبل أن وصلت مستويات عدم الثقة إلى هذا الحد بين مؤسسات أميركية مؤثرة والبيت الأبيض، الذي باتت “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة تنظر إليه باعتباره “حصان طروادة” روسيا في قلب العالم الحر.

وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلا عن مسؤولين حاليين وسابقين لم تسمهم، أن وكالات استخبارات أميركية أخفت معلومات سرية عن ترامب نتيجة لخشيتها من إمكانية تسريب هذه المعلومات أو إساءة استخدامها.

تتعلق المعلومات الحساسة التي تم إخفاؤها بأساليب عمل الاستخبارات والطرق المتبعة للقيام بعمليات تجسس على دول أخرى وتقنيات فنية تشكل شخصية كل جهاز استخبارات على حدة.

وليس من المعتاد أن تطلع مؤسسات الاستخبارات رؤساء الولايات المتحدة على مثل هذه المعلومات سعيا منها لحماية مصادر معلوماتها وتغطية تحركاتهم، ولإبقاء إمكانية إنقاذ عملائها في الخارج في حالات الخطورة ممكنة.

وتتبع الاستخبارات الروسية تقنيات مغايرة وأساليب عمل مختلفة عن الاستخبارات الغربية بشكل عام. وتحاول أجهزة الاستخبارات المتنافسة التمايز طوال الوقت، سعيا لتجنب أي صدام بين عملائها على الأرض في مناطق العمليات، خصوصا في الخارج.

لكن علاقة ترامب ومسؤولين كبار في إدارته بروسيا أثارت قلقا كبيرا بين مجتمع الاستخبارات الأميركية، التي يبلغ عدد العاملين فيها أكثر من 70 ألف موظف. ويقول محللون في واشنطن إن إجراءات الاستخبارات تنطوي على اتهام خطير وغير مباشر للرئيس بـ”التجسس” لصالح قوة معادية.

ولطالما شكلت روسيا العمود الفقري لبناء العقيدة الأمنية الأميركية، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. واستمر التدريب الأساسي، خصوصا في قاعدة لانغلي بولاية فيرجينيا الأميركية، حيث المركز الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، على حصار النفوذ السري لروسيا، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات.

وسرعان ما رد البيت الأبيض على المعلومات الواردة في التقرير قائلا “لا نصدق أن وكالات استخبارات تخفي معلومات، كما لا توجد أي وسيلة أمام البيت الأبيض يمكن من خلالها التأكد من الأمر”. ونفى مكتب مدير الاستخبارات الوطنية هذه الإدعاءات أيضا.

علاقة دونالد ترامب ومسؤولين كبار في إدارته بروسيا أثارت قلقا كبيرا بين مجتمع الاستخبارات الأميركية

خلاف من البداية

اختار ترامب معاداة وكالات الاستخبارات منذ ما قبل توليه الحكم بشكل رسمي في 20 يناير الماضي، إذ رفض الاجتماع مع مسؤوليها لإطلاعه على تقارير أمنية حساسة، كما هاجمها أكثر من مرة على حسابه على تويتر.

وأثّر ذلك على معنويات ضباط الاستخبارات، خصوصا في مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) ووكالة الأمن الوقمي (ان اس ايه) والاستخبارات المركزية التي يحاول رئيسها الجديد مايك بومبيو إيجاد توازن ما بين رغبات الرئيس وسعي مسؤولين كبار في الوكالة للانتقام من سياسته المعادية لهم.

وسربت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز، الأربعاء، معلومات عن تورّط مسؤولين كبار في حملة ترامب الانتخابية، ومستشارين حاليين في البيت الأبيض، في علاقات وثيقة بالاستخبارات الروسية. وسرعان ما نشر ترامب تغريدة سكبت الزيت على النار، قال فيها “الفضيحة الحقيقية هي أن وكالات الاستخبارات صارت توزع معلومات سرية مثل الحلوى. هذا ليس أميركيا على الإطلاق!”.

وقال الضابط السابق في “سي أي إيه” ايفان ماكولين، الأربعاء، إنه “من حق وكالات الاستخبارات أن تسرب معلومات لوسائل الإعلام بشكل غير قانوني، لأن عناصرها أقسموا يمينا على حماية الدستور والدولة”. ووصف ماكولين ترامب بـ”التهديد الأمني”.

وكثيرا ما حذّر ترامب من “ثورة” ضده داخل وكالات الاستخبارات، وهو ما دفعه إلى شن حرب شعواء “لإخماد هذه الثورة”. لكن إجبار مستشار الأمن القومي السابق الجنرال مايكل فلين على الاستقالة، جعل منه الضحية الأولى في صفوف معسكر ترامب لصالح معسكر المؤسسة التقليدية العميقة التي لا يبدو أنها مستعدة للتراجع.

ويقول غلين كارل، الذي عمل لمدة 23 سنة، في المخابرات الأميركية المركزية، إن “سي آي إيه” لا تشن حربا منظمة ضد الرئيس ترامب لكنها تقوم بدورها في الحفاظ على أمن البلاد، وخصوصا بعد أن تأكد أن فريق ترامب متورط باتصال أو لقاء أو تنسيق مع إطراف إما هي مخابرات روسية وإما تعمل لصالحها.

وأكد كارل أنه كان على علم بتورط فريق الرئيس باتصالات مع الروس منذ عام تقريبا، وأضاف “إذا كنت أنا الضابط السابق يعلم بهذا الموضوع لمدة عام فبالتأكيد أن الضباط العاملين على رأس عملهم هم على اطلاع على هذا الموضوع بشكل موسع”.

ويقول “إن البعض يحاول إظهار المشكلة كما لو أنها تكمن في أن الاستخبارات تتدخل في السياسة وأن لها أجندة خاصة بتسريب هذه المعلومات بخصوص تواصل فريق ترامب مع الروس، هذا الادعاء غير مقبول إنه أمر شائن، جوهر المشكلة ليس في التسريب بل في الحدث المتمثل باختراق الروس لأمن بلادنا عبر تواصلهم بفريق الرئيس”.

تظل الشكوك القائمة بين مسؤولي الاستخبارات حول ترامب وعلاقته بالروس بمثابة علامة واضحة على التصدّع الذي نشأ بين البيت الأبيض ووكالات الاستخبارات الأميركية. ووفق كارل ستواصل الاستخبارات حجب بعض التقارير عن الرئيس ترامب خشية من وجود بعض الآذان الروسية داخل فريقه. وقال النائب آدم شيف وهو عضو بارز في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي، إنه استمع إلى مخاوف بعض المسؤولين من مشاركة معلومات شديدة الحساسية مع ترامب. وأضاف “لقد تحدثت إلى بعض العاملين في وكالات الاستخبارات، وأعربوا لي عن مخاوفهم من البيت الأبيض والرئيس، وأعتقد أن هذه المخاوف تأخذ أشكالا وأوجها عديدة”. وتعتبر وكالات الاستخبارات أن أكثر واجباتها قدسية هو حماية معلوماتها.

سي آي إيه القوة الثالثة

من بين المجموعة المكونة لمجتمع الاستخبارات الأميركي، تبرز سي آي إيه، باعتبارها حجر الأساس، ومهمتها الرئيسية جمع المعلومات البشرية، وتأخذ توجيهات مباشرة من الرئيس والحكومة للتأثير السياسي والاقتصادي وشروط التدخل العسكري بالخارج. ولدى الوكالة المركزية كافة القدرات التي تمكنها من العمل خارج الحدود الأميركية.

وتعتبر سي آي إيه المحرك الرئيسي لخيوط السياسة الخارجية الأميركية، وتضخم دورها بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث أصبحت وكالة الاستخبارات المركزية تحت المراقبة المباشرة للرئيس الأميركي. وإذا كان التاريخ دليلا من الممكن الاستعانة به، فإن هذه الوكالة هي التي ستقرر مجريات الأمور لسنوات قادمة، وفق مجلة فورين بوليسي الأميركية.

وصنف تحليل نشرته مجلة نيوستاتيمان البريطانية وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) باعتبارها القوة الثالثة التي يمكن أن تقف في وجه دونالد ترامب، بعد قوة سيادة الشعب وقوة بعض المنتمين إلى الحزب الجمهوري. ويشير التقرير، نقلا عن فيليب روث، مؤلف كاتب “المؤامرة ضد أميركا”، إلى أن المجتمع المخابراتي الأميركي لن ينسى قضية اختراق روسيا للتأثير على الانتخابات الأميركية لصالح ترامب.

وإلى جانب المخابرات المركزية تأتي وكالة الأمن القومي في المركز الثاني من حيث التأثير في هذا الصراع بين ترامب ومجتمع الاستخبارات الذي يبدو مزاجه العام ضد ترامب. ويذهب معهد غلول برسرتش الكندي إلى القول إن معركة لوبيات تلوح في الأفق الأميركي، وكل الأطراف ستستخدم المخالب الخانقة للوصول إلى أهدافها، ولكن ينبغي على لوبي المخابرات الخروج من هذه اللعبة، لأنها تثير القلق.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر