الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

النساء والمجال الديني.. هل الفقه صناعة ذكورية

  • قضية التجديد الديني، التي تطرح بإلحاح كبير في السنوات الأخيرة، سواء للتصدي للأرضيات التي يتحرك من خلالها التشدد أو لضرورة التجديد ذاته بمعنى الخروج من واقع السكونية الفكرية التي طبعت تراثنا، تبين أنه حتى داخل هذه الدعوات تغيب المرأة موضوعا وفاعلا، أي المرأة وما يتعلق بها من قضايا كموضوع للتجديد، أو المرأة بوصفها فاعلا أساسيا في عملية التجديد. إعلان وزارة الأوقاف المصرية عن تعيين 144 سيدة بوظيفة واعظة للعمل بالمساجد لم يخف الوضعية المزمنة المتصلة بإقصاء المرأة من المجال الديني، وكأن إنتاج الأفكار الدينية لا يحتمل التأنيث.

العرب  [نُشر في 2017/02/17، العدد: 10546، ص(13)]

المرأة مبعدة عن الاضطلاع بدورها الديني بمسوغات فقهية ذكورية

لا شك أن دخول المرأة إلى مجال الفقه قد يزعزع ضمائر الرجال الفقهاء، ويبعث القلق في نفوسهم ويبث الحياة في المخاوف الدفينة فيتحرك المتخيل الإسلامي. إنه يذكر الرجال بأنموذج تودد جارية هارون الرشيد التي دخلت في مناظرة مع العلماء، وعلى رأسهم إبراهيم بن سيار النظام، فهزمتهم واحداً واحدا وجردتهم من وجاهتهم المعنوية والاجتماعية.

ومع أن غاية النساء العالمات لم تكن الدخول مع الرجال في منافسة، وإنما المساهمة في تحديث الفكر الديني، فإن المتتبع للبرامج الدينية التي يُدعى لها الرجال والنساء للمشاركة في إرشاد السائلين، أو ما يكتب من مقالات على أعمدة الصحف أو المواقع الإلكترونية، يدرك أن عدداً من الداعيات تعرضن للهجوم والعنف اللفظي، وهو أمر مفهوم حسب أسماء برلاس، المتخصصة في السياسة المقارنة والسياسات الدولية والتفاسير الإسلامية والدراسات النسائية والنوع الاجتماعي، فـ”الذين يحددون المعرفة الدينية في أغلبية المجتمعات المسلمة، هم بالدرجة الأولى، رجال، وغالبيتهم من المحافظين، لذلك فإنهم ينزعجون من المواضيع التي أطرحها”.

إن تمكين المرأة دينيا، وظهورها في وسائل الإعلام، لم يكونا محل قبول وإجماع شرائح المجتمع كافة، بل إن بعض رجال الدين المحافظين أدركوا أن التحولات الطارئة على مكانة المرأة تشكل تهديداً لهم، وتؤثر في حجم هيمنتهم على الجموع.

فبعد أن ظل رجال الدين على امتداد قرون، يحتكرون الكلام عن “الحقيقة” الإسلامية، والنطق نيابة عن الله، جاءت النساء ليُحدثن خلخلة في البناء الثنائي القائم على نموذج السيادة/التبعية، والتفوق/الدونية.

وبعد أن كانت المرأة متلقية للخطاب التكليفي مستنجدة بالعالِم أو الزوج لفهم ما أشكل عليها من أمور دينها، أضحت تتصدر المحافل العلمية وتزاحم الرجال، بل إنها لا تستحي من مواجهتهم ومخالفتهم الرأي وبيان تهافت حججهم، وهي التي كانت مأمورة بالطاعة، منكسرة بسبب القيود والأعراف التي تكبلها.

لئن اختلف وضع الداعيات الإسلاميات عن صاحبات الاختصاصات العلمية المختلفة اللواتي أدلين بدلوهن في القضايا الدينية فإنهن التقين جميعاً في تحمل النتائج المترتبة على اقتحامهن مجال المعرفة الدينية.

فالمرأة العالمة محجبة كانت أو سافرة، متخرجة من دار الأزهر أو كلية آداب، متخصصة في الفقه أو في العلوم السياسية، تتعرض في الغالب لعملية تبخيس وطمس وتهميش لجهدها واستهانة بجهودها في سبيل إصلاح المجتمع. ويتجلى الاستخفاف الجماعي بإنتاج النساء في تعمد عدد من العلماء والمفكرين عدم الاستشهاد بآراء المجتهدات، وتغاضي أغلبهم عن الحديث عنهن وكأن إصلاح الفكر الديني عمل موكول إلى الرجال وحدهم ولا وجود لنساء شاركن في نقد الثوابت وفي بيان تهافت بنيان شيده العلماء القدامى خدمة لمصالح المجتمع الذكوري.

أما السمة الغالبة على الخطاب المعترض على اضطلاع النساء بأدوار جديدة في الإعلام فهي كثرة انتقاد المظهر الخارجي للنساء كالملبس والسلوك وطريقة الكلام.

فملكة زرار، من منظور منتقديها، “لها طريقة فجة في الحديث، وهي تعتمد على تحريك حواجبها وأيديها (كذا) وجسمها كله، ولها تعبيرات بوجهها، وألفاظها، وطريقة في الحوار لا تتناسب إطلاقاً مع وصفها بالداعية الإسلامية”.

المؤسسات الدينية في الإسلام صناعة ذكورية، وقد أفرزت آليات لترسيخ الهيمنة الذكورية والدفاع عن مصالحها

وتبدو سعاد صالح في نظر البعض، متبرجة وقاسية بل مسترجلة. وتوحي هذه الانتقادات بالصورة النمطية الشائعة في عديد الثقافات تلك التي تختزل كينونة المرأة في حدود جسدها.

تقول آمنة نصير إن “مشايخ الأزهر (الرجال) لا يريدون أن تزاحمهم المرأة؛ لأنهم ينظرون إليها على أساس أنها (أم العيال) في مجال الدعوة ولا يشجعون ظهورها على الإطلاق”.

يمكن تفهم موقف الجمهور من العالمات، فالمرأة مهما بلغت أعلى درجات المعرفة لا يمكن أن تُمثل السلطة المعرفية حتى في “نظر بنات جنسها” اللواتي يؤثرن التوجه بالسؤال إلى الشيخ؛ لأنه “العالم بامتياز”.

فحضوره في المنابر والمجالس يعكس صوت السلطة المعرفية، فهو أوسع علماً وله ثقة أكبر في نفسه، كما أنه أكثر قدرة على السيطرة على موضوع الكلام.

أما طريقة معالجة الشيخ للقضايا فإنها تتسم بالعقلانية، وتكون بلاغته “طبيعية” غير متكلفة، كما أن اللغة التي توشي خطابه تكون في الغالب منمقة. ولهذه الأسباب يؤثر العالم في المشاهدين والسامعين فيحظى بإعجابهم وتقديرهم بل افتتانهم.

وفي مقابل ذلك تنخرط الداعية، من منظور الجمهور، في القضايا المطروحة عليها بعمق وتتعامل معها عاطفياً أو بانفعال. وهي مهما حافظت على الرصانة وحاولت عرض ثقافتها الدينية إلا أنها كثيراً ما تفتقر إلى “استراتيجيات السلطة”، والقدرة على التجريد والتحليل. وهكذا تبقى العالمة “ناقصة عقل ودين”.

يقول أحدهم متحدثاً عن آمنة نصير “هي الست آمنة بتفهم أكتر من فلان وعلان”. وبغض النظر عن هذه التحديات، فإن العالمات استطعن إحداث حراك في المجتمع وفي مسار الفكر الإسلامي بالرغم من التعتيم على أعمالهن وجهودهن.

فقد ساهمت كتابات رجاء ناجي على سبيل المثال، في تشكيل مدونة الأسرة في المغرب التي صدرت في أوائل عام 2004 والتي أثارت جدلاً كبيراً لتضمنها تقييد تعدد الزوجات لضمان شرط العدالة، ولمنحها المرأة المتضررة فرصة طلب الطلاق.

وقد لفتت رجاء ناجي انتباه المشرع إلى ضرورة توثيق الزوجين كتابة للمال المشترك المكتسب لهما بعد الزواج لضمان حق المرأة في مالها المكتسب، وهو إجراء كان معمولاً به في القديم، وله أساس في الشريعة الإسلامية، وله سند أيضاً في اجتهادات عمر بن الخطاب والإمام مالك، ولكن توقف العمل بهذا الإجراء وظلت النساء لا يعرفن هذا الحق الذي يوفر لهن الطمأنينة ويرسي علاقات زوجية سليمة.

من البين إذن، أن المؤسسات الدينية في الإسلام صناعة ذكورية، وقد أفرزت على امتداد التاريخ آليات واستراتيجيات لترسيخ الهيمنة الذكورية والدفاع عن مصالحها.

ولما كان الأنثوي من منظور المشرفين على هذه المؤسسات، قوة غير منتجة فقد تم عزل النساء واستبعادهن من دورة الإنتاج. وها هن اليوم يفارقن الخدر ويكسبن الأنصار ويطالبن بمواقع داخل المؤسسات الدينية، وفي الفضاءات “المقدسة” فيتحول الرهان إلى تحدي من يستحوذون على السلطة ويمارسون الوصاية على الناس بدعوى أنهم يمتلكون القوامة المعرفية.

وبدل أن يؤدي بروز النساء العالمات في المجال الديني إلى تعددية فكرية مثمرة يُنظر إلى هذا الظهور على أساس أنه علامة على صراع بين نساء “مسترجلات” يطمعن في البروز والشهرة والزعامة ومزاحمة الرجال والتطاول على سلطتهم ورجال يقاومون من أجل الاحتفاظ بمواقع “خصتهم” بها العناية الإلهية، وهو أيضاً صراع بين مرجعية تتأسس على معرفة جوهرها تمثيل الحقيقة والنطق نيابة عن الله ومرجعية حداثية ترتكز على فكرة مفادها حق الجميع في المعرفة، والتفكير، وحرية التعبير، ونسبية المعرفة البشرية، وتعدّد الأصوات المهتمة بالشأن الديني.

* خلاصة من بحث: آمال قرامي “اختراق النساء أسوار المعرفة الدينية” ضمن الكتاب 47 (نوفمبر 2010) “النسوية الإسلامية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر