الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

'الصديقان' برنامج تلفزيوني لقسيس وإمام يدعمان التعايش والسلام

  • ظهور برنامج تلفزيوني، يقدمه شيخ مسلم وقسيس مسيحي، على شاشة إحدى القنوات المصرية، وفي هذه المرحلة المتسمة بالاحتقان، من شأنه أن يفعل فعله في التقريب بين المسلمين والمسيحيين، لكنه -ورغم عدم تقليدية الفكرة- يرى فيه الكثير تكرارا لنفس الشعارات، وتكريسا للدولة الدينية التي يرفضها العلمانيون وغيرهم من دعاة تحييد الدين عن الدولة.

العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(13)]

الاحتضان علامة محبة لكنه ليس حلا

القاهرة – بعيدا عن الأساليب التقليدية، وللمرة الأولى على الشاشات العربية، انطلق برنامج “الصديقان”، على فضائية المحور المصرية منذ أيام، كبرنامج اجتماعي بصبغة دينية (إسلامية – مسيحية)، يتشارك في تقديمه رجلا دين كمذيعين، أحدهما مسلم والآخر مسيحي، بزييهما الرسميين؛ الأزهري والكنسي، وهما الشيخ مظهر شاهين (إمام مسجد عمر مكرم بوسط القاهرة)، والقس أثناسيوس رزق، الكاهن بكنيسة 15 مايو، جنوب القاهرة.

وانفرد البرنامج، في أولى حلقاته، بتصوير أعمال الترميم والصيانة، التي تشرف عليها الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة المصرية داخل الكنيسة البطرسية، التي تم استهدافها من جانب الإرهابيين منذ أسابيع، كما كشف البرنامج، الكثير من الأسرار الجديدة حول الحادث الأليم، وسعى إلى إظهار تضامن المسلمين مع المسيحيين، حيث أن من شاركوا في الترميم كان أغلبهم من المسلمين.

“الصديقان”، هدفه التدليل على الإخاء والتعايش الديني المشترك بين المصريين، وتوظيف الجوانب الاجتماعية، والخروج عن النمط المألوف من القنوات والبرامج الدينية الإسلامية والمسيحية، التي يظهر فيها، إما شيخ يتحدث عن قضايا المسلمين وحدهم، وإما قس يعالج شؤون الأقباط فقط.

الشيخ مظهر شاهين، صرح لـ”العرب”، بأن البرنامج تتمحور رسالته الأساسية، حول تكريس مفاهيم وقيم التعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، من خلال تقديم نماذج مصورة للتلاحم والتضامن بين المصريين جميعا.

وأوضح القس أثناسيوس رزق، أنه على مدار السنوات السابقة، كان المسلمون يواسون المسيحيين في أحزانهم، ويشاركونهم أفراحهم، وكذلك فإن المسيحيين يشاركون المسلمين في كل شيء.

وشدد في تصريحاته لـ”العرب”، على أن ما يتغلغل في الشارع المصري، من أعمال إرهابية، هو فكر بعيد عن سماحة الأديان، سواء المسيحية أو الإسلام، وقال إن المسلم والمسيحي صديقان، وبينهما مساحة مشتركة كبيرة، وعلاقات تقوم على التسامح والتلاقي، لكن البعض يركز أكثر على السلبيات دون التركيز على مساحة الاتفاق.

مصداقية البرنامج ستكون أكبر، لو تمت الاستعانة بأحد علماء الأزهر وأحد قساوسة الكنيسة، الذين لا يدور حولهم جدل

غير أن البعض من المتابعين شكك في جدوى فكرة “الشيخ مع القسيس”، واعتبرها “شكلا ديكوريا”، أقرب إلى المسكنات والحيل السينمائية، للتغطية على واقع مرّ وأليم، يموج بمشكلات حقيقية.

وطرح آخرون علامات استفهام حول مقدم البرنامج، الشيخ مظهر شاهين، المقرب من النظام الحاكم، كما أنه على خصام مع التيارات الإسلامية، خاصة الإخوان والسلفيين، ويعتبرونه ممثلا بارعا في تمرير رسائل إلى الداخل والخارج، مفادها أن الأمور على ما يرام، وأنه لا توجد أي مشكلات دينية أو طائفية، على العكس من الحقيقة.

ونشب جدل حول القس أثناسيوس، حيث وجه إليه البعض من الاتهامات، التي تم دحضها بعد ذلك، بعد أن كانت مثار حديث الشارع القبطي.

وقال مراقبون لـ”العرب”، إن مصداقية البرنامج ستكون أكبر، لو تمت الاستعانة بأحد علماء الأزهر الكبار وأحد قساوسة الكنيسة، الذين يحظون بالقبول، ولا يدور حولهم جدل سياسي أو ديني، وهو ما كان سيساهم في نجاح البرنامج، وفي أداء رسالته وإعطائه مصداقية أكبر لدى المتلقين.

وأشار صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إلى أن الإعلام المرئي، يلعب دورا قويا في التأثير على المشاهدين، وإعادة صياغة وتشكيل أفكارهم، وأن برنامج “الصديقان”، لديه البعض من مقومات النجاح، من حيث لغته السلسة التي تخاطب البسطاء من المصريين جميعا، كما أن اشتراك شيخ وقس في تقديمه يسهم في استقطاب عدد كبير من المصريين المسلمين والمسيحيين.

اعتماد البرنامج على تقديم نماذج عملية وواقعية للتعايش المشترك، يساعد بشكل كبير في تغيير المفاهيم المغلوطة، وفي إزالة الحاجز النفسي بين المسلمين والمسيحيين، الذي وضعته التقاليد والأعراف السائدة، من خلال تثقيف المواطن المصري المسلم بالمفاهيم المسيحية، وكذلك تعريف المواطن القبطي بالبعض من المفاهيم الإسلامية، وهو ما يؤدي إلى إزالة الجدران العازلة بين الجانبين، التي ساهمت في إذكاء أفكار التعصب والتشدد والعزلة عن الآخر.

البرنامج سبقته محاولات أخرى عديدة، ركزت أيضا على صورة تجمع بين “القس والشيخ”، إذ كثيرا ما تداولها مستخدمو موقع التواصل الاجتماعي داخل ملعب لكرة القدم، مثل ما حدث مع صورة القس برنابا صليب، بمدينة شبين الكوم، بمركز الباجور (محافظة المنوفية بدلتا مصر)، في مباراة ودية مع الشيخ الدسوقي فودة، في نادي “مارمينا”.

ولم يجد القس روفائيل سليمان، كاهن كنيسة العذراء مريم بقرية دقادوس، وسيلة للتعبير عن وحدة المصريين وأنهم نسيج يكمّل كل منهم الآخر، إلا من خلال عمامته ذات اللون الأسود، حيث خلعها، ثم أخذ عمامة أحد الأئمة المسلمين، ذات اللونين الأحمر والأبيض، ليضع العمامتين معا، لتشكلا لون علم مصر، ثم قال “هذه هي مصر، وهذا هو النسيج المصري، فمصر شعب واحد، والمسلم مع المسيحي يساويان مصريين متكاملين، ومن دون هاتين العمامتين لن توجد مصر أبدا”.

متابعون شككوا في جدوى فكرة "الشيخ مع القسيس"، واعتبروها أقرب إلى المسكنات للتغطية على واقع مر وأليم

تلقائية القس المسيحي، سبقتها عفوية الشيخ المسلم نزيه متولي، إمام مسجد نور الإسلام، في منطقة شبرا (وسط القاهرة)، حينما صعد خلال سرادق عزاء شقيق صديقه المسيحي، “ميجو”، بعد حادثة تفجير الكنيسة البطرسية بالعباسية، وقام بتلاوة آيات قرآنية من سورة مريم، وسط ذهول البعض من الحاضرين.

وأوضح متولي، لـ”العرب” أن ما فعله كان تلبية لرغبة صديقه، حينما كان يؤدي واجب العزاء، حيث فاجأه بطلبه تلاوة القرآن، ليثبت للجميع أن المسلمين والمسيحيين كتلة واحدة، ولم يتردد الشيخ كثيرا في تلبية تلك الرغبة، ثم فوجئ بأن الذهول، تحول إلى ترحيب من جميع الحضور في العزاء.

الصورة التي يحاول رسمها الشيوخ مع القساوسة -بالرغم من بساطتها وصدقها- ينظر إليها البعض بشكل متشائم، لكونها تصب في بوتقة واحدة فتن بها المصريون طويلا، وهي عناق الهلال والصليب.

وشرح هؤلاء، لـ”العرب”، أن هذا العناق مجرد معنى سطحي، بالإخاء والمحبة، بينما معناه العميق، هو السعي إلى تديين كل شيء في المجتمع، وبالتالي لا يصبح الوطن مكانا لمواطنين، بل مكانا لطوائف، طائفة للهلال وأخرى للصليب، وهو أمر يصب في مشروع الدولة الدينية.

وأضافوا، أن المصريين مغرمون بـالشعارات، مثل الهلال والصليب، وكذلك مصطلح “جناحي الأمة”، جناح قبطي وآخر مسلم، على الرغم ممّا في هذه الصورة من طائفية مقيتة.

والمشكلة أنه، إذا ما قدّم مواطن نقدا جادا، رُمي بالكفر والإخراج من الملة، من قبل من يدعون أنهم يمتلكون صكوك الغفران، أو رمي بالخيانة، ممن يتوهمون أن لديهم صكوك الوطنية.

وحذر الباحث القبطي، سمير عليش، من أن تكون فكرة القس والشيخ، نسخة إعلامية مكررة من الأنماط التقليدية السابقة، التي عملت على إظهار الترابط بين المسلمين والمسيحيين، ونفي وجود مشكلات بينهما، كما يحدث دائما في أعقاب كل حادثة طائفية، دون معالجة أو مكاشفة للمشكلات والأزمات الحقيقية للتوتر بين المسلمين والمسيحيين، وهي عوامل اجتماعية ودينية وسياسية، وتدور حول وجود ثقافة متطرفة ومتعصبة لدى البعض تجاه الآخر المختلف في الدين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر