السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

مؤتمر اتحاد الشغل: أحصنة طروادة وحقول الألغام

في قلب التغول السياسي للترويكا الحاكمة في تونس وجد الرأي العام المحلي في الاتحاد القوة المدنية والرافعة الوطنية التي خلقت التوازن المطلوب بين الرؤى والمقاربات وعدلت الموازين والقرارات في تلك الفترة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/23، العدد: 10521، ص(6)]

الاتحاد العام التونسي للشغل هو صناعة التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي في الجغرافيا التونسية، وهو أيضا أكبر قوة مرجعية رمزية في البلاد حيث يتوافق معظم الرأي العام المحلي على دوره الطلائعي والتوفيقي على الرغم من الاختلاف في أدائه المطلبيّ والاحتجاجيّ.

ولد الاتحاد العام التونسي للشغل بعناوين وطنية جامعة ورؤى تقدمية ومقاربات تحررية قبل دولة الاستقلال وأثناءها وقبل الجمهورية الأولى وبعدها، قبل الجمهورية الثانية وعقبها.. وفي كافة المحطات كان يملك من الخزان الاستراتيجي ورأس المال الرمزي والاعتباري ما يمكنه من تجاوز أزماته الداخلية وأدائه المهتزّ في بعض المراحل ليسجّل حضوره في المفاصل الكبرى للدولة التونسية كلاعب مرجعي وقوي في المشهد المدني التونسيّ.

ودون دخول في التفاصيل التاريخية فقد نجح الاتحاد العام في تأمين معادلة “شعرة معاوية مع الأنظمة المتعاقبة والمحافظة على مصالح العباد والبلاد”.

وفي الوقت الذي صارت فيه معظم الدول العربية ضحية للمكاسرة السياسية والعسكرية عقب استنزاف قواها الرمزية المرجعية التي باتت جزءا من الانضواء السياسوي لهذا الطرف في مقابل الآخر، فإنّ تونس وجدت في الاتحاد العام مصحوبا بالثلاثي المدني (رابطة حقوق الإنسان، اتحاد المحامين، اتحاد الأعراف) قوة مدنية مؤثرة تمكنت من نزع فتيل الأزمة السياسية وإنجاح الانتقال السياسي والديمقراطي في تونس.

وفي قلب التغوّل السياسي للترويكا الحاكمة في تونس وجد الرأي العام المحلي في الاتحاد القوة المدنية والرافعة الوطنية التي خلقت التوازن المطلوب بين الرؤى والمقاربات وعدّلت الموازين والقرارات في تلك الفترة وغيرها أيضا.

اليوم، يعقد الاتحاد العام التونسي للشغل مؤتمره الثالث والعشرين بعد أن راكم العديد من التجارب وأمّن الكثير من الأعداء والحلفاء، كلهم يتقاطعون في استحقاق الدور الطلائعي والوطني للاتحاد وقد يتباينون حول أدائه المطلبي الاجتماعي والاقتصادي خلال عمر ثورة يناير 2011.

وعلى الرغم من الكلمة الافتتاحية للمؤتمر التي ألقاها الأمين العام للاتحاد، حسين العباسي الذي طمأن الرأي العام المحلي والعربي على حاضر ومستقبل المنظمة الشغيلة، إلا أنّ حالة من القلق والتوجس تسود لدى المؤتمرين من جهة والغيورين على الرافعة العمالية من جهة ثانية. يخشى المتابعون تحوّل التنافس بين القائمات من سياق التعددية والديمقراطية لأجل استقلالية الاتحاد، إلى حصان طروادة تستغله بعض الأحزاب السياسية لضرب استقلالية المنظمة الشغيلة.

هنا يستحضر أكثر من نقابي سيناريو السودان، حيث انقلب الفاعل السياسوي ممثلا في حزب المؤتمر على اتحاد العمال السودانيين وحوّله إلى ذراع نقابي واجتماعيّ يسوّغ أطروحاته ويبرّر خياراته.

مكمن التوجّس هنا متجسّد في الأداء الضعيف والمهادن الذي أبدته أطراف نقابية -هي اليوم على رأس ما يسمى بالقائمة التوافقية للمؤتمر- ضدّ أحزاب الترويكا أثناء محاولة اقتحام مقر الاتحاد والتعدي على بعض المناضلين في ديسمبر 2012.

يخاف المؤتمرون، ومن ورائهم الرأي العام التونسي، من السياق الاجتماعي والاقتصادي الحرج الذي تمر به البلاد، حيث باتت الطبقة الشغيلة، الضعيفة منها والمتوسطة، هي المستهدفة والمتحملة لسياسات التقشف المالي وسط عجز تام عن الانتدابات في الوظيفة العمومية واستعصاء في الاستثمار المحلي والأجنبيّ.

ولئن لوّح الاتحاد بعصا الإضراب العام، القطاعي منه والشامل في أكثر من مرّة لإيصال رسائل مضمونة الوصول إلى الفاعل السياسي في القصبة وقرطاج، فإنّ تحوّل الاتحاد إلى ماكينة “إضرابات” وآلة “احتجاجات” قد يضر بصورة الاتحاد إذ يحوّله من قوّة ضغط واقتراح لاجتراح الحلول إلى قوّة ضغط على المجموعة الوطنية زمن الفاقة وانسداد المخارج للوضعية الاجتماعية.

شواهد التاريخ تؤكد أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل خرج من كل أزمة داخلية وخارجية أقوى مما كان قبلها، اليوم يقف الاتحاد على أعتاب مرحلة سياسية وتاريخية جديدة تتغير بمقتضاها الاستحقاقات والأولويات. على اتحاد الشغل أن يكمل استحقاق المؤتمر وقد حيّد أحصنة طروادة في الداخل وفكّك حقول الألغام في الخارج وما أكثرها.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر