الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

إعلام تلاحقه أشباح أبوغريب

صحافة اليمين الشعبوي المتشفية من الضحايا تحاول منذ افتضاح قصة الصور وحتى الساعة، حصر القصة في إطار فردي ومسؤولية شخصية بدليل أن من قام بتلك الفظائع قد سيق إلى المحاكم، بمن فيهم إينغلاند.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/01/24، العدد: 10522، ص(18)]

الرجل المصلوب، يداه مربوطتان بأسلاك كهربائية ووجهه مغطّى بقناع من الخيش وأسماله متدلية، فيما جندي المارينز يبتسم للمنظر، هذه الصورة التي هي أشبه باللازمة المتكرّرة، والتي شاهدها ملايين البشر من أنحاء العالم وتمت ترجمة مضمونها إلى العشرات من اللغات ظلت صفعة في وجه الضمير الإنساني.

الصحافة حتى أشدّها تشددا شعبويا ويمينيا واتّساقا مع عقيدة بوش ونظريات بطانته في إشاعة أشكال لا حصر لها من التعذيب في حق السجناء العراقيين في سجن أبوغريب، هذه الصحافة لم تستطع الإفلات من كوابيس وأشباح ذلك السجن الرهيب وما تمّ اقترافه فيه من فضائع أقلّه عمليات الاغتصاب التي كانت تتعرّض لها المجنّدة الأميركية ذائعة الصيت ليندي إينغلاند من طرف زميلها أو رئيسها، ثم تخرج من تلك الحالة لتسقي السجناء العراقيين كأس العذاب.

عاد الإعلام الأميركي اليوم إلى القصّة ذاتها مع عجز وزير الدفاع المنصرف أشتون كارتر إيجاد ذرائع تحول دون نشر المزيد من صور فظائع سجن أبوغريب ومع إعطاء القضاء الأميركي الضوء الأخضر لنشر تلك الصور.

الكابوس الذي تمثّله تلك الصور خلّف وراءه مجتمعا إعلاميا منقسما على نفسه، ما بين لا وعي جمعي يشعر بالذل من فرط الانحدار إلى ذلك المستوى من الوحشية الذي مارسته أجهزة الاستخبارات والمارينز في حق السجناء العراقيين وبين من يدعو إلى طمر الماضي الأليم.

صحافة اليمين الشعبوي المتشفية من الضحايا تحاول منذ افتضاح قصة الصور وحتى الساعة، حصر القصة في إطار فردي ومسؤولية شخصية بدليل أن من قام بتلك الفظائع قد سيق إلى المحاكم، بمن فيهم إينغلاند، التي كانت حاملا عشية سوقها إلى المحاكم.

إشكالية الإعلام الأميركي مع هذه الصور وخاصة الجديد منها والذي على وشك الانتشار أنه متحيّر في كيفية التعاطي مع القصة تزامنا مع تسلم الإدارة الأميركيّة الجديدة مهامها.

الإعلامية الشهيرة ريبيكا مكنون تختصر الجدل قائلة سواء أكنّا مع أو ضد سياسات جورج بوش فيجب علينا كأميركيين أن نتعلّم دروسا من الصور التي جاءتنا من سجن أبوغريب الرهيب.

الصورة الصادمة التي قاربها الإعلام ظلت غير قابلة للتغطية أو للتبرير، هو نوع من الصور التي لا تحتاج إلى مقالات ومقدّمات ولهذا تجدها وهي تحتل موقعها في الإعلام الأميركي فإنها تعيد الشعور بالمرارة واللاجدوى وفشل المهمة على عكس إعلان بوش الشهير عن أن المهمة انتهت في العراق.

الوقائع تتجدد وتلك القصة التي كان قد نشرها الإعلامي اللامع سيمور هيرش على صفحات “ذي نيويوركر” إبان افتضاح القصة وخلّفت وراءها ضجّة واسعة وكأنها تُكتَب اليوم من جديد بعد 12 عاما من نشرها، يتوقف هيرش عند صورة المجنّدة ليندي اينغلاند والسيجارة تتدلّى من فمها وهي تنظر بتشفّ ولا مبالاة إلى صورة سجين عراقي تمت تعريته وتعذيبه ثم لتتبع ذلك أكثر من 300 صورة كانت كافية لتعقد جلسات المحاكم في حق مرتكبي تلك الانتهاكات الفظيعة وفضحها أمام الرأي العام فماذا عن 2000 صورة جديدة قادمة صدر الحُكم القضائي بالإفراج عنها؟ لا شك أن أشباح سجن أبوغريب قادمة من جديد ولتتدفق بزخم أكبر ولتفرض نفسها على الإعلام الأميركي مجددا ولا سيما مع الفشل المتكرّر للمهمة التي لم تنته.

كاتب من العراق

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر