الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

نار الأعرابي وإذاعة عبدالناصر الكردية

قديما قرأتُ لأبي حيان التوحيدي في كتابه 'الإمتاع والمؤانسة' كلاما لابن المقفع 'الفارسي' عن عرب الجاهلية، حين تساءل هو في سوق المربد: أي الأمم أعقل؟!

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/06، العدد: 9401، ص(24)]

يتوهم كثيرون أننا نعيش مرحلة انحسار كبيرة لثقافة عريقة عرفها العالم ذات يوم بعد أن انتشرت سريعا خلال خمسين سنة تلت ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، حين اندفع العرب في الاتجاهات مؤسسين لدول ومدائن عاشت قرونا وقاومت مختلف أشكال التهديد والتهديم، لتنهض اليوم أعراق وقوميات ما زالت تحمل الثأر التأريخي بين جوانحها على مر القرون، وتنادي صراحة، "نحن أبناء الأرض، ولنا حق تقرير المصير عليها"، وتصف العرب بالغزاة والغرباء، وتطالبهم بأن يرحلوا حاملين معهم لغتهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم وقصائدهم وحكاياتهم وعمارتهم وأغانيهم.

ويحرص هؤلاء جميعا على تحصيل ضريبة كبيرة من العرب، نتيجة الإلغاء والمحو والظروف التي عاشها الجميع في ظل استبداد سرق الفكر القومي العربي عبر البعث والناصرية، رغم أن تلك الدكتاتوريات قدّمت للأعراق والقوميات الأخرى تسهيلات كثيرة بسبب تناقضات السياسة، فمن يصدّق أن جمال عبدالناصر أكبر المنادين بالقومية العربية كان يموّل إذاعة كردية سورية نكاية بالأتراك والعراقيين والسوريين، كما يعترف الكرد أنفسهم؟ وكما ذكر محمد حديد في مذكراته من أن الكردي "هاشم عباوي" وهو أحد نشطاء الحزب الوطني الديموقراطي في الموصل قد اعتقل بتهمة تهريب أسلحة من سوريا وتزويد الأكراد كان عبدالناصر قد أمر بإرسالها ودعم الحركة الكردية المسلحة التي اندلعت في أيلول سبتمبر 1961 باعتبارها موجهة ضد عبدالكريم قاسم وحكمه، وكانت قبيلة شمر على الحدود العراقية ـ السورية هي المكلفة بنقل السلاح.

وقديما قرأتُ لأبي حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" كلاما لابن المقفع "الفارسي" عن عرب الجاهلية، حين تساءل هو في سوق المربد: أي الأمم أعقل؟! فأجاب نفسه بنفسه:‏ العرب..إن العرب ليس لها أولٌ تؤمّه، ولا كتابٌ يدلّها، أهلُ بلدٍ قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله"، وأخطر ما عثر عليه التوحيدي في ثقافة الفرس أشد أعداء الكرد والعرب اليوم وصفهم للمؤمن قال: "قال بعض الفرس: الناس أربعة: أسدٌ وذئب وثعلب وضأن، فأما الأسد فالملوك يفرسون ويأكلون، وأما الذئب فالتجار، وأما الثعلب فالقوم المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه من رآه".

زعامات قومية وعرقية تؤمن اليوم بطرد العرب وإعادتهم إلى صحرائهم في جزيرة العرب..تنظر إلى القادة كأسود تفترس وإلى المؤمن على أنه "ضأنٌ ينهشه من يراه" بأي إيمان تقود شعوبها؟ ومن التحضّر الاعتراف بأنه لو لم يكن العرب حاضنة إنسانية راقية، لاندثرت تلك الشعوب منذ زمن طويل في ظل سطوة الدول العربية التي تعاقبت على ألف وخمسمئة عام ماضية على الأقل، وبمعاشرة تلك الشعوب للعرب اكتسبت منهم المزاج ذاته، فيروى أن أعرابيّا أوقد ناراَ يتّقي بها برد الليالي، ولما جلس يتدفّأ قال: "اللهم لا تحرمنيها لا في الدنيا ولا في الآخرة".

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر