الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

العناق بوصفه وظيفة غير تقليدية

العناق ليس عيبا، بل هو أجمل سلوك في التعبير عن المشاعر، وهو من السلوكات الإنسانية التي تجمعنا وتقوي ترابطنا وتحاببنا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/01/27، العدد: 10525، ص(21)]

العناق لغة المشاعر الإنسانية، التي لا تحتاج للاحتفاء بها وتخصيص يوم عالمي للتذكير بأهميتها في حياتنا كبشر، بقدر ما تحتاج إلى ممارسة فعلية وتلقائية في الأوساط العائلية وبين الأحبة والأصدقاء، ولم لا تمارس بين عامة الناس بشكل تلقائي خال من التكلف والمداهنة! فنفحة من التوادد والتحابب لا شك أنها لن تضر أحدا، بل ستكون فائدتها الجمة عامة على الجميع، فضلا عن كونها أسلوبا حضاريا ينم عن رقي في سلوك الأفراد.

مثل هذا السلوك الثمين الكامن في الأحضان، دفع شرطة مدينة تشارلستون بولاية وست فيرجينيا الأميركية إلى توظيف إحدى عشرة جدة في وظيفة غير تقليدية، إنها تقديم العناق لرجال الشرطة، والهدف من ذلك هو التخفيف من حدة الضغوط الناجمة عن طبيعة عملهم وبالتالي تخليصهم من التوتر والقلق.

ولكن، لا يبدو أن عناق الغرباء سيكون بهذه السهولة في مجتمعاتنا العربية المليئة بالخطوط الحمراء، وبثقافة العيب التي تدفع الكثيرين إلى فعل أكثر مما في وسعهم لقمع عواطفهم، والإحجام عن التعبير عن مشاعرهم حتى لأقرب الناس إليهم، ويصنعون حواجز وهمية تعقد حياتهم وتدمر علاقاتهم.

العناق ليس عيبا، بل هو أجمل سلوك في التعبير عن المشاعر، وهو من السلوكات الإنسانية التي تجمعنا وتقوي ترابطنا وتحاببنا، فعندما نعانق من نحب، فإننا نحسسه بدفء أحاسيسنا ونظهر له كم نكن له الود والحب.

ومن المؤسف في عصرنا الحالي أن أغلب أفراد الأسرة الواحدة أصبحوا يعيشون مثل الغرباء تحت سقف واحد، ونادرا ما يتبادلون الأحضان، وقد يقتصر ذلك على الأعياد والمناسبات.

في غياب الأحضان الدافئة التي هي بر الأمان ومصدر الاطمئنان، تموت الكثير من المشاعر الجميلة، ويصبح الجدب العاطفي أكبر دافع للصراع والفرقة وعدم التوافق الفكري والنفسي داخل الأسرة.

في العناق حياة، والأزواج الذين يتعانقون من حين لآخر تكون حياتهم العاطفية أكثر ثراء، وأكثر حيوية بأفراحها وأتراحها، ولا يشعرون بالتذمر والضجر، لأن الأحضان المتبادلة تهدأ الأنفس المتكدرة وتذلل المصاعب، بما تبعثه من رسائل حب وطمأنينة.

ويبدو أن ويليام شكسبير محقا في قوله إن “محاولة التفاهم مع الأنثى وهي تبكي تشبه تقليبك لأوراق وسط العاصفة، فقط احتضنها وسوف تهدأ”.

وقد كشفت العديد من الأبحاث النفسية أن العناق يحتل الصدارة في قائمة الأمور التي تجعل الإنسان سعيدا، لكن من المؤسف أن أقصى طموحات بعض الأزواج اليوم هو الحصول على حضن دافئ من شريك حياته الذي تناساه في زحمة المشاغل ونسق الحياة السريع.

وهذا في حد ذاته يؤكد على أن الاحتضان، ليس مجرد لمسة عابرة، بل لحظة فارقة في حياة كل إنسان مهما كان عمره أو جنسه، فيكفي وضع اليد على كتف شخص، فإن ذلك سيؤدي إلى تراجع إفراز هرمون الإجهاد المعروف علميا باسم “كورتيزول”، وتحفيز هرموني الأوكسيتوسين والبرولاكتين، اللذين يؤديان إلى الشعور بالاسترخاء وراحة البال.

وقد أكدت الباحثة الأميركية في علم النفس فرجينيا ساتير، أن الإنسان في حاجة يوميا إلى أربعة أحضان لكي يكون مرتاح النفس، وإلى 8 أحضان لكي يكون واثقا من نفسه، وإلى 12 حضنا لكي يكون مبدعا في حياته.

ولكن بعد أن ساد “الفقر المدقع” في العناق داخل أغلب الأسر، أصبح الكثيرون يحتضنون في أفضل الأحوال المخدات وينامون.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر