الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الخيانة في خريف العمر

مهما يكن من أمر، لا يوجد ما يبرر الخيانة أو يبطل الآثار النفسية والأخلاقية الناجمة عنها على أحد طرفي العلاقة الزوجية أو على كليهما، وكذلك على الأبناء.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/02/03، العدد: 10532، ص(21)]

شدّ انتباهي الموضوع الحساس لمسلسل “باحة شجرة التفاح” أو “أبل تري يارد”، الذي تعرضه حاليا هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، وتقوم بدور البطولة فيه الممثلة الإنكليزية إميلي واتسون.

المسلسل يطرح قضية هامة وعامة، تتمحور حول ظاهرة الخيانة في خريف العمر، والتي لا تنتشر في المجتمع البريطاني فحسب، بل في مختلف المجتمعات في العالم، وتتّخذ أشكالا وصورا مختلفة.

ولكن السؤال الأهم الذي يثيره المسلسل هو ما السبب الذي يدفع أحد الشريكين إلى خيانة شريكه، بعد سنوات طويلة من الزواج والعشرة، وبعد أن يبلغ من العمر مرحلة النضج والوعي، وهي المرحلة التي تجعله من المفترض ألا ينساق وراء نزوات عابرة، كما هو الشأن بالنسبة إلى فترة الشباب، التي تكون في الغالب حافلة بعدم اللامبالاة بالقيم والمسؤولية الشخصية.

هناك اعتقاد سائد بأن الأزواج في مرحلة منتصف العمر قادرون على الموازنة بين سلوكهم وعواطفهم، بعد أن استخلصوا الكثير من العبر والدروس من مختلف التجارب والاضطرابات التي شهدتها حيواتهم المشتركة في مراحلها السابقة.

ولكن ما أصبح سائدا اليوم هو العكس، فأغلب الخيانات يقدم عليها العديد من الأزواج وهم في خريف العمر، ويتحول الحب الكبير الذي جمعهم إلى كراهية ونفور وإهمال وعدم اهتمام، والكثيرون منهم يصلون إلى مرحلة الانفصال الصامت أو الطلاق.

وفي الحقيقة ساهمت وسائل التواصل الحديثة أو ما بات يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وواتسآب وسكايب وغيرها من الوسائل، بشكل أو بآخر في تفشي ظاهرة الخيانة، جراء الإغراءات الكثيرة التي فرضها العالم الافتراضي.

وأغلب حالات الخيانة التي تقع في خريف العمر يتجاوز الدافع فيها مسألة ممارسة الجنس، إلى الكثير من الدوافع التي قد تحرك بعض الأزواج في اتجاه عدم تفادي الخيانة، ومن جملة هذه الدوافع البحث عن الدفء العاطفي في أحضان أشخاص آخرين، بعد أن افتقدوا ذلك عند شركائهم وأصيبت مشاعرهم بالبرود، وأصبحوا يعيشون فقط لأداء وظيفة الزوج أمام أعين الناس، وكل ذلك للأسف ناتج عن الاستسلام للروتين اليومي والانشغال بأعباء الحياة ونسقها السريع.

نحن بشر و“لا نستطيع أن نكون آلة”، وعدم السعي إلى محاولة التجديد والتغيير في الحياة والتمتع ببعض الوقت، بعيداً عن أجواء العمل والمنزل، يصل بأغلب الأزواج إلى حالة من تبلّد المشاعر وفتورها.

ومهما يكن من أمر، لا يوجد ما يبرر الخيانة أو يبطل الآثار النفسية والأخلاقية الناجمة عنها على أحد طرفي العلاقة الزوجية أو على كليهما، وكذلك على الأبناء.

ولكن بالإمكان تحقيق الشعور بالرضى عن الحياة الزوجية، وهذا الشعور لا يأتي اعتباطيا، بل بناء على منحى يشبه تجربة العزف على آلة موسيقية كالعود مثلا، والعزف فن لا يجيده من البداية جميع المتدربين والساعين لتعلمه، إنما بالممارسة المستمرة يصبح الأمر اعتياديا، وكذلك الحال بالنسبة إلى الزواج، فهو يحتاج إلى بذل جهود متوازية وتضحيات مشتركة من قبل الطرفين، وبالاعتراف بما تتضمنه العلاقة الزوجية من مراحل صعود وهبوط سيكون بمقدور الشركاء على الأقل جعل حيواتهم رحلة مبهجة رغم الصعوبات التي قد يواجهونها.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر