الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

ترامب وعودة السيد 'واسب'

ترامب برهن على أن المؤسسات الديمقراطية قد تكون قاصرة عن الحيلولة دون تغلغل العنصرية الاجتماعية والسياسية في ظل وجود عدة اعتبارات تسهل عملية الدمغجة وقصف العقول.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/02/04، العدد: 10533، ص(9)]

يعيش العالم اليوم على وقع كابوس النسخة الثالثة والأشد قتامة من عصر “بوش الثالث” بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أسقط خلال أقل من شهر من اعتلائه البيت البيضاوي 3 أوهام سياسية وإستراتيجية آمنت واعتقدت بصحتها غالبية النخب العربية من قادة رأي ومحللين سياسيين.

أسقط ترامب رهان البعض، ممن لم يحسن قراءة الأوضاع القائمة والقادمة في الولايات المتحدة والعالم، بأنّ الوعود الانتخابية ليست سوى جزء من الديماغوجيا الشعبية ومن صناعة الرأي الدعائي ضمن المكاسرة السياسية على رأس السلطة التنفيذية، مؤكدا أنّه ينتمي إلى مدرسة الأدلجة وليست الدمغجة، إذ أنه يؤمن بمعظم الأفكار الشوفينية التي أعلن عنها خلال حملته الانتخابية لا أفكار معلقة، وإنما كمشاريع قابلة للإنجاز وهو ما يفعله ترامب.

أسقط الرئيس الأميركي الجديد قناعات البعض في العالم العربي وحتّى الغربي بالتلازمية القائمة بين المنظومة الديمقراطية والسياسة الليبرالية في الدول ذات الإرث الديمقراطي المعتبر على الشاكلة الأميركية، حيث أنّ ترامب بيّن أنّ الديمقراطية كعملية اقتراعية تشريعية حرّة ونزيهة ضمن مقولة حكم الشعب عبر من يختاره الشعب، قد لا تستدعي بالضرورة والحتمية خيارات ليبرالية من حيث تأمين فكرة ثقافة المواطنة والمواطنة الثقافية.

ترامب يمثّل هذا النوع من الرؤساء الذين يأتون بالديمقراطية ويمثلون خطرا على الليبرالية والحريات الفردية والجماعية ومبادئ السلم الاجتماعي، وهو بهذا الشكل يجسّد امتدادا لعصر جديد من الفاعلين السياسيين الذين يأتون بقوّة الاقتراع، ولكنّهم يشكلون تهديدا لمنظومة الحريّات والمساواة والعدل.

هنا يتماثل ترامب نوعا ما بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبجلّ المراهنين اليمينيين في فرنسا على قصر الإيليزيه.

عندما تختزل الديمقراطية في الاقتراع فقط، وتضرب الديمقراطية التشاركية وفق مقاربة الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس في الصميم يصبح الانتكاس الحضاري والديمقراطي واردا جدا، ونموذج أدولف هتلر في ألمانيا يصبح قاب قوسين أو أدنى من الانسحاب على أكثر من دولة ديمقراطية.

القراءة الثالثة التي فكّكها ترامب بعد أن تلقفتها النخب العربية كمقولة تختزل معضلة بعض العقول العربية في الإيمان بأنصاف الأقوال التحليلية وأنصاف الأوهام، بأنّ الشوفينية العنصرية انتهت من العالم الحديث، حيث برهن ترامب على أنّ المؤسسات الديمقراطية (الدستور والمجالس النيابية التمثيلية والمدونة الدستورية والثقافية والرمزية أيضا) قد تكون في بعض الأحيان قاصرة عن الحيلولة دون تغلغل العنصرية الاجتماعية والسياسية في ظل وجود عدة اعتبارات تسهّل عملية الدمغجة وقصف العقول.

على النخب العربية المتصدرة لتحليل الظاهرة الترامبية دون عدّة معرفية وسياسية كافية أن تتحلّى بشيء من التواضع العلمي لا فقط لأنّ ظاهرة ترامب السياسيّة هي ظاهرة في طور التشكّل، وإنما أيضا لأنّ ترامب رئيس يصنع التساؤلات والاستفسارات والمفارقات أكثر مما يقدّم الإجابات الجاهزة.

غير أنّه بالإمكان تلمّس 4 براديغمات قد تمثّل كينونة السياسة المحلية والدولية لدى ترامب، وهي أوّلا القطع مع الدور الاجتماعي للدولة وهو المسار الذي بدأه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ضمن برنامج الرعاية الصحية وإصلاح منظومة التقاعد.

ثانيا إحياء الهويّات القاتلة وفق مقولة أمين معلوف عبر ضخّ الدم في “الرجل الأبيض البروتستانتي الأنكلوسكسوني واسب” من خلال سياسات التضييق على الهجرة واللجوء وإلحاق أسباب تراكم البطالة بالأغيار للسيد واسب.

ثالثا دعم تفوّق إسرائيل في المنطقة وفرض خيار “الدولة ونصف الدولة” كخيار نهائي لا بد أن يفرض على الفلسطينيين.

رابعا التقليل من الرهان على الخيار الديمقراطي في العالم العربي، في مقابل التعاون ضمن محاربة “الإرهاب الإسلامي” وفق اصطلاحه.

من الواضح أنّ هذه البراديغمات ستكون لها معارضات كثيرة، الأولى من طرف القوّة الناعمة الأميركية وأعني بها المجتمع المدني والإعلام وقادة الرأي من الممثلين والمثقفين الذين لن يقبلوا بعودة عقارب الساعة إلى الوراء. الثانية من طرف بعض الدول والمنظمات الدولية المؤمنة بمفهوم التعددية الثقافية. الثالثة من القوى الفلسطينية والعربية الرافضة لأيّ إسقاط لفرض تسوية هجينة لا يقبلها الشعب الفلسطيني. والرابعة من بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الصين وفي وقت لاحق روسيا التي، وهو ما نرجحه، ستتصادم مع الموقف الأميركي في قضايا المنطقة الآمنة في سوريا والتصعيد ضدّ إيران.

مقدمتان فقط قد تهدئان من هدير وغليان بركان السيد واسب؛ انتخابات رئاسية فرنسية تمنح التفوق لمرشح ديمقراطي يحافظ على اللحمة الاجتماعية والتواصل الأوروبي ويعطّل مسار “الشعبوية العنصرية” في العالم، وتحرّك داخلي أميركي شبيه بالتحركات الرافضة لحرب فيتنام تعطي الزخم الحقيقي لدمقرطة الحياة وللحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر