الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

ترامب يفتح ملف الحرب المؤجلة على الإرهاب الإيراني

كراهية نظام الملالي لترامب وقراراته مصدرها مواقفه المعلنة من الاتفاق النووي الذي فتح الباب لإيران وحرسها الثوري الميليشياوي للعبث بمصير شعوب المنطقة المشمولة بالمنع في قرارات ترامب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/02/04، العدد: 10533، ص(8)]

تمادت القيادات الإيرانية في جس نبض الإدارة الأميركية الجديدة منذ اليوم الأول لتنصيب دونالد ترامب. بدأها الرئيس حسن روحاني بتصريحه بأن زمن بناء الجدران انقضى، في إشارة إلى الجدار الذي تنوي أميركا بناءه على حدودها مع المكسيك للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين وتقدر أعدادهم سنويا بـ750 ألفا، وهو رقم هائل قياسا بأعداد الوافدين إلى أميركا وفق برنامج التوطين للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

روحاني تناسى أن أكبر عدد لاجئين تستقبلهم أميركا أو مهاجرين من الدول السبع المشمولة بقرار المنع الذي وقعه الرئيس ترامب وسبب قلقا وجدلا وردات فعل متباينة في الأوساط الرسمية والشعبية، هو من الإيرانيين الهاربين من جور النظام والفقر وسياساته القمعية الفاشية التي أودت بالشعوب الإيرانية، وخاصة الطبقة الوسطى المتعلمة والمثقفة، إلى المغادرة بحثا عن الأمن والكرامة الإنسانية وحرية الرأي والموقف، ومعظمهم من الذين ينتمون إلى الحركات المناهضة للنظام وبعضها يمثل تيارات قومية أو فكرية أو سياسية مختلفة تشكل الهيئة العامة للمقاومة الإيرانية وقياداتها وفي مقدمتها حركة مجاهدي خلق.

معظم الشعوب الإيرانية تسعى للخلاص من نظام الملالي الذي ارتكب المجازر والإبادات بحقها وخاض حربا طويلة وأشاع الفوضى والهوس الطائفي باستهدافه الأمة العربية انطلاقا من العراق، مستغلا حالة الانهيار التي أعقبت 13 عاما من الحصار الشامل لشعبه، وانتهت بالاحتلال وحماقة الإدارة الأميركية للرئيس جورج بوش الابن وتراجع الدور الأميركي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

الحدود بين المكسيك وأميركا، وخلال سنوات ليست بالقصيرة، لم تقتصر على مجازفة التسلل والتعرض إلى المخاطر والملاحقة والتوقيف والإعادة للمكسيكيين حصرا، إنما هي حدود تنمو فيها تجارة المخدرات ووسطاء مافيات التهريب التي توفر شبكة اتصالات لترغيب الشباب وحتى الأسر وبالذات من مواطني الدول المعنية بالقرار وعلى رأس القائمة الإيرانيين، وتشمل خدمات المهربين الحجوزات الفندقية والتوصيل والعبور وفي مقدمتها طبعا الابتزاز والاحتيال.

جسّ نبض الإدارة الأميركية في أيامها الأولى بالسخرية والتهكم منها بقرار بناء الجدار مع جارتها ومن الرئيس الإيراني الذي يوصف بالاعتدال حصرا دون غيره، له دلالة استخفاف رسمي بشخصية الرئيس دونالد ترامب الذي باشر بتطبيق سياسة عدم إضاعة الوقت، بما يتماشى مع إيقاع الأحداث وسرعة تبادلات سوق السياسة والاقتصاد في البورصات الدولية والإقليمية، وما يشهده من مناخات عسكرية وعروض متباينة الأهداف والمناورات.

15 يوما من حكم ترامب هزّت العالم سلبا أو إيجابا، وعلى وصف إحدى الصحف الأميركية، ويبدو أنها تأثرت بأكاسير ترامب، أوجزت فيه ديناميكية أو نشاط أو فائض الطاقة للرئيس “8 أيام من حكم ترامب تعادل 8 أعوام من حكم أوباما”.الإعلام الأميركي بمعظم مؤسساته انتصر أثناء الحملة الانتخابية وبعدها إلى هيلاري كلينتون، دعما لها، ثم تحريضا ونقدا وتهييجا للشارع ضد ترامب وفوزه بمنصب الرئيس؛ كذلك فعل الإعلام العالمي تقريبا متأثرا بالأصداء الأميركية بما ينقله عنها؛ لكن ما نتلمسه بعد مضي نصف شهر فقط من انتقال السلطة للإدارة الجديدة، أن طاقم الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه يتعاطون الدعاية السياسية ويحصدون الانتباه لأطروحاتهم، بمعنى الفوائد الإعلانية وتسخير الإعلام المضاد في الترويج المباشر أو المبهم والغامض.

يمكن ملاحظة ذلك في زخم تصريحات قادة العالم وما يطلبونه من إيضاحات أو شجب بحذر أو استنكار أو ارتفاع في نبرة الإدانة والتلويح بمبدأ التعامل بالمثل، رغم أن بعضهم لا توجد بينه وبين أميركا علاقات متكافئة، ومنهم إيران التي تحاول تصدير بضاعة مشروعها وإعلامه لجموع البسطاء من مقلدي وليها الفقيه من خلال بورصة الإعلام المضاد لترامب، تحقيقا لمكاسب متعددة في أيام تعتقد إيران أنها رخوة بحكم رسم ملامح السياسة الأميركية وتشكلها.

في الفترة الانتخابية كان ترامب بعيدا عن البركة الراكدة الآسنة للسياسة الدولية، لكنه لم يتوقف عن رمي حصى تعهداته للناخب الأميركي أولا، رغم أنها كانت مجرد وعود في برنامج انتخابي كثيرا ما يتخلى عنها المرشحون عند استلامهم السلطة، لكن ترامب استطاع قبل فوزه أن يخلق ضجيجا أقلق الصمت الدولي المستسلم للأمر الواقع تجاه الأحداث الجسام؛ بعضهم يرى في ذلك نقائص عند ترامب ويراها آخرون ربما فضائل، الأكثر واقعية ما حصل بعد تنصيبه وما أقدم عليه من رمي البحيرة الموبوءة بحجر أدى إلى موجات إصغاء وانتباه وترتيب أوراق كانت مبعثرة على مساحة واسعة، وأخطرها ما يجري على أرضنا.

الدول الإسلامية ليست 7، وكراهية نظام الملالي لترامب وقراراته مصدرها مواقفه المعلنة من الاتفاق النووي الذي فتح الباب لإيران وحرسها الثوري الميليشياوي للعبث بمصير شعوب المنطقة المشمولة بالمنع في قرارات ترامب. المنع إذن يشمل، قطعا، عددا كبيرا من عملاء إيران من حملة الجنسيات المعنية بالقرار، وهذا برأينا بداية استراتيجية لمحاربة الإرهاب وإعادة تقييم النظام الأمني ومتابعة المتورطين في العمليات الإرهابية الكبرى التي استهدفت الدول المنكوبة أو التغلغل كخلايا طائفية نائمة في العالم.

إطلاق الصاروخ الباليستي والهجوم على الفرقاطة السعودية، بالتزامن مع مناورة الرمح الثلاثي التي تشارك فيها أميركا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا أيضا؛ لا يُفَسِران جس نبض الإدارة الأميركية الجديدة كتصريح الرئيس الإيراني روحاني المتهكم من الجدار، إنما هما تجريب عملي لردة فعل غاضبة وغير محسوبة لاستباق التوقعات ليس في ما يتعلق بإعادة طرح الملف النووي، لكن هذه المرة بإعادة قراءة سياسات الملالي التوسعية وكوارثها في العراق وسوريا واليمن وأطماعها وطموحات حلمها الإمبراطوري.

ما أغاظ إيران هو سياسة المدرسة الواقعية لترامب ومعرفة إدارته المعمقة بحجم الدور الإيراني في صناعة الإرهاب واستقطابه لخدمة مصالح مشروعها؛ وكذلك التقارب مع العرب حيث تلتقي توجهاتهم مع إصرار المجتمع الدولي على محاربة الإرهاب ولجم التغول الطائفي للملالي الذي تسبب بدمار عدد من بلدانهم وظل يتمدد دون توقف.

8 سنوات كان على إيران الالتزام بها وفق القرار الأممي 2231 والامتناع عن إطلاق تجربتها الباليستية كتعهدات أممية في سياق الاتفاق النووي، مما دعا مستشار الأمن القومي الأميركي مايك فلين، في أول إطلالة له، إلى اتهام الحكومة الإيرانية بما وصفه السلوك الضار، ووجه تحذيرا رسميا لها بعبارة “ابتداء من اليوم” التي تنطوي على مراقبة ورصد كل التحركات الإيرانية اللاحقة. إيران لا تتأخر في الانتهاكات، وهي كما نظن بأنها خطوط حمراء وتجاوزها لن تكون نتائجه مقاربة لتجاوز الخطوط الحمراء للرئيس باراك أوباما.

خطط أمنية وعسكرية وبمدد إنجاز محددة قررها ترامب، وقرارات قادمة بأثر رجعي لملفات في مقدمتها ملف احتلال العراق في العام 2003 بتكاليفه ونتائجه في هدر الأموال الأميركية على مشاريع إعمار فاشلة ينخرها فساد ساسة العراق وزعماء الميليشيات الإيرانية. قائمة أسماء موضوعة لتحقيق شامل قد يشمل شخصيات أميركية أيضا، وتبعات تلاحق العملاء الذين مهدوا لاحتلال العراق بما كلف الخزانة الأميركية أموالا طائلة ومعها الآلاف من القتلى. مدرسة شعبوية ترامب تتبلور في السياسة الدولية وتحمل في طياتها العواصف، وعلينا، نحن العرب، أن نتعامل معها بواقعية واستشعار لنتائجها وعدم الثقة مطلقا بملالي طهران وتحركاتهم وتحدياتهم ونعومة ملمسهم أحيانا للنفاذ من جدار العقاب العادل.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر