الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

عالم للبيع

لا شك أن هذا التحوّل الذي فرضته العولمة على العالم سوف ينتج ظواهره الجديدة على مستوى الثقافة والسياسة والاجتماع.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/02/07، العدد: 10536، ص(15)]

التحولات الكبيرة والمتلاحقة التي فرضها نظام العولمة على العالم، لم تتوقف عند حدود سقوط الجغرافيا بين دوله بعد أن تحول العالم إلى سوق مفتوحة لثقافة الاستهلاك ورأس المال والشركات العابرة للحدود. لذلك كان من الطبيعي أن تترتب على ذلك جملة كبيرة من المتغيرات الأخرى على المستوى الثقافي وأنماط العيش والهجرة.

ما عزز هذه الظاهرة ودفع بها بعيدا هو قيام الكثير من دول العالم بالإعلان عن منح جنسياتها وحق الإقامة الدائم فيها لمن يدفع أو يقوم باستثمار مبالغ كبيرة فيها. هذا التحول الخطير لا يتوقف أثره على جعل رأس المال هو القيمة الأساسية للمواطنة فحسب، بل في اكتساب الهوية التي تريد، والتي تجعل العالم قابلا للبيع لمن يملك المال، ما سيترك أثره الكبير على مفهوم الهوية والثقافة والوطن.

لقد تحول رأس المال إلى قيمة خاصة تجاوزت البعد الاجتماعي والاقتصادي ومستوى الرفاه الذي يمكن أن يحققه، إلى ما يمكن أن نسميه الرفاه الوطني، والذي على أساسه يمكن لصاحب رأس المال أن يختار المواطنة التي يريد في العالم، ويكتسب الامتيازات التي تمنح له على أساسها. هذا الانقلاب في العلاقة بالوطن سيجعل التغني بحب الأوطان وعلاقة الارتباط الروحية جزءا من الماضي، كما ستصبح الثقافة المكتسبة للوطن الجديد، هي القيمة التي ستسود على حساب ثقافة الوطن الأم.

في الماضي كانت الهجرات التي تحدث بسبب الحروب أو بدافع البحث عن الثروة وتحسين ظروف العيش، وكان المهاجر عبرها يبحث عن فرصته في النجاة من الموت والكوارث، أو البحث عن فرصة للحياة الكريمة، لذلك كان على هؤلاء المهاجرين أن يعانوا ويكافحوا من أجل تحقيق حلمهم في الحياة، وكثيرا ما كانوا يعجزون عن تحقيق هذا الحلم.

ومع هذا التحول الذي أصبح معه رأس المال هو المفتاح السحري الذي يفتح أبواب العالم الواسعة، فإن جملة من المفاهيم والأفكار التي شاعت وتكرست في الأدبيات السياسية والاجتماعية وفي الثقافة سوف تفقد معناها، وتصبح جزءا من الموروث الأدبي لعالم اليوم، أو على الأقل سوف تظل مرتبطة بثقافة من لا يملك الثروة والقدرة على اختيار الأوطان والهويات التي يريدها.

لا شك أن هذا التحوّل الذي فرضته العولمة على العالم سوف ينتج ظواهره الجديدة على مستوى الثقافة والسياسة والاجتماع، وهي ظواهر ستأخذ في البروز أكثر مع اتساع حدوده، وما ينجم عنه من تغيرات بنيوية على مستوى هذه المجتمعات وعلاقاتها وقيمها، ستتجاوز في أثرها ما أحدثته الهجرات السابقة التي أوصلت العديد من الشخصيات المهاجرة إلى مواقع سياسية متقدمة حتى في البلدان المتقدمة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر