الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الطقس يربك نفسيات الناس ويغير طعم الحياة

  • مواقف الناس من الأحوال الجوية انبنت عبر العصور المختلفة على الأفكار المسبقة السائدة، ولكنها أصبحت اليوم من القوى المؤثرة في مشاعرهم والمتحكمة في مصائرهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/02/07، العدد: 10536، ص(21)]

الطقس ليس ما يحدث في الخارج بل ما يدور في داخلنا

يمثل الطقس محورا لأحاديث أغلب شعوب العالم وهاجسا يشغل بالهم على الدوام، فالكثيرون يعلقون جميع آمالهم ورغباتهم وتحركاتهم على الأحوال الجوية، والأكثر من ذلك أن البعض قد تتغير نفسياتهم وترتبك حياتهم مع بداية كل فصل أو نهايته. صحيفة “العرب” استطلعت آراء بعض الناس من دول مختلفة حول العالم، عن مدى تأثير الطقس على مزاجهم، وطبيعة حياتهم في ظل التقلبات الجوية القاسية التي يشهدها فصل الشتاء.

عبرت مورين، المرأة الإنكليزية في بداية حديثها لـ”العرب” عن الطقس الممطر، عن امتعاضها من طقس بريطانيا قائلة إنه “طقس سيء للغاية ومتقلب ولا يمكن التنبؤ به، ولا يشعرك بالراحة النفسية أبدا، فبإمكاننا أن نعيش الفصول الأربعة في يوم واحد، ونرتدي ملابس الشتاء السبت، وقميصا خفيفا الأحد، وتهطل الأمطار بغزارة الاثنين، نعم هذا ما عليه الحال هنا يوميا”.

ورأي هذه المرأة يكاد يتوافق مع ما يقوله ثلث سكان بريطانيا حول مناخ بلادهم، الذي لا يروق لهم، ولا يكفون عن التذمر منه. ولكن يبدو أن الايطاليين أيضا مشغولون هذه الأيام بالحديث عن الأحوال الجوية وما جاء في “مطبوخ الأرمن” الصادر عن الرهبان الأرمن الكاثوليك في مدينة البندقية، وتوقعاته المخيفة بشأن تقلبات الطقس في الأيام القليلة القادمة، وهذا الأمر زاد في تغذية مخاوفهم وتعكير صفو حياتهم، وأكثر ما يخشونه هو العواصف التي تحد تحركاتهم وتجعلهم في أغلب الأحيان محبوسين في بيوتهم.

وقال رجل الأعمال الإيطالي سلفانو منتناري في تصريح لـ“العرب” “إن الطقس بالنسبة إلي، يمثل مشكلة كبرى، فأنا من برج العذراء الترابي، ومن المفترض أنني ذو شخصية إيجابية، إلا أن ما يحزنني كثيرا هو ذهاب الحر وحلول القر، بل ويصيبني فصل الشتاء بالاضطراب تماما، وأصبح مترددا في اتخاذ أي قرار يخص العمل أو حياتي الشخصية”.

آية خانجي: الناس جعلوا من أحوال الطقس تعلة لتبرير تقصيرهم في القيام بأعمالهم

ولكن الفنان التونسي إسكندر القطاري، المقيم في فرنسا، لم يشعر بالضجر من موجات البرد التي اجتاحت فرنسا مؤخرا، لأنه كما يقول “وجد الدفء في أطباق بلاده المفلفلة والحارة، وفي موسيقاه العذبة التي هي قادرة على تعديل مزاجه كلما تعكرت أحوال الطقس”. أما ابن بلده المدرّس عمارة بن محمد الرحيلي، فأكد أنه لا يتأثر كثيرا بتغيرات الطقس في تونس، لا من حيث برودته شتاء أو ارتفاع درجات حرارته صيفا، فدرجات الحرارة على حد تعبيره لا تؤثر على مسار حياته اليومي، فهو ينحدر من منطقة الجنوب التونسي المتميزة بجفاف طقسها صيفا وشدة برودته شتاء، ولعل هذا من وجهة نظره ما جعله يتأقلم مع جميع أحوال الطقس.

إلا أن الوضع يختلف بالنسبة إلى الموظفة أسماء بالشيخ التي وصفت الشتاء في تونس، بفصل الاكتئاب والأمراض والرعد والبرد والرياح والأمطار.. مشيرة إلى أن تقلبات الطقس تشل حركة الحياة، وتمنع الناس من التحرك والخروج من أجل الترفيه، وهذا يجعلهم يشعرون بالقلق والتوتر ويكثرون من الشكوى والتذمر بشأن الطقس. فيما قال الصحافي حبيب براهمي، المقيم في مدينة مونتريال الكندية “إن الطقس القطبي لا يضجرني، بل يشعرني فقط ببعض الكسل، وعدم الرغبة في الخروج من المنزل أو الذهاب إلى العمل، كما أن موجات الثلوج ودرجات الحرارة المنخفظة تجعلني أستغني عن الفسحة برفقة العائلة، ولكنني أجد التعويض عن ذلك في الإكثار من تناول الأطعمة والمشروبات الدسمة لمواجهة قلق الحصار المنزلي”.

ولكن شكوى الناس من التقلبات المناخية ترافقها تغيرات بيولوجية تحدث في أجسامهم، ويعجز أغلبهم عن تفسيرها، على الرغم من أنهم يشعرون بها، وتنعكس تأثيراتها على سلوكياتهم وتصرفاتهم. ويغلب على الكثيرين الشعور بالحزن لدرجة يصلون فيها إلى الاكتئاب عند تساقط الثلوج وانخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء، خاصة في الدول الإسكندنافية والنرويج التي تقصر فيها ساعات النهار بشكل كبير، ويقل تعرض الناس إلى أشعة الشمس لأشهر طويلة، وقد يصل الحال بالبعض إلى الانتحار رغم رغد العيش الذي تتميز به هذه الدول الغنية، بينما في دول أخرى تنتشر الفرحة والابتهاج بقدوم الشتاء، فلا يتردد أحدهم عن الخروج للركض واللعب في الأجواء الشتوية القاسية.

وحول هذا الموضوع أكدت آية خانجي، خبيرة التنمية الذاتية ومديرة الأكاديمية الدولية للتدريب والكوتشينغ في لندن أن “للطقس تأثيرا كبيرا على مزاج الناس، كما أن فصل الشتاء تحديدا يتميز في أغلب البلدان بغياب أشعة الشمس والضوء، وهذا من شأنه أن يؤثر على إفراز هرمـون الميـلاتونين المسؤول عن النوم وهرمون السيرتونين المسؤول عـن المـزاج، ممـا يـؤدي إلى الشعـور برغبـة أكبـر في النـوم وصعـوبة بالاستيقـاظ”.

وأوضحت في تصريح لـ“العـرب” أن “الناس يشعرون في الشتاء بالاكتئاب، وتختلـف حدته من شخص إلى آخر، جراء الاضطرار لملازمة في البيت لفترات طويلة، وخاصة في ظل غياب الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية”. وأشارت إلى أن العديد من الأشخاص تزداد أوزانهم في فصل الشتاء، لأنهم يقبلون بنهم على تناول كميات كبيرة من الأطعمة الدسمة والحلويات، التي من المعروف أن الجسم في حاجة إليها ولكن بكميات معقولة، إلا أن ما نلاحظه اليوم هو أن الكثير من الناس يعودون أنفسهم على التسلية بالطعام، ويربطون مسامراتهم أمام التلفزيون أو جلوسهم أمام الكمبيوتر بالطعام، ودافعهم إلى ذلك ليس الجوع، وإنما الغرض الوحيد هو التسلية. وتعتقد خانجي أن الناس تعودوا ومنذ زمن طويل، على الشكوى والتذمر من أحوال الطقس، جاعلين منها تعلة لتبرير تقصيرهم في القيام بأعمالهم ومسؤولياتهم، فينتهي المطاف بأغلبهم إلى تأنيب الضمير، الذي لا يحل المشكلة بقدر ما يفاقمها.

واعتبرت خانجي أن الكتابات والتعليقات التي تشتكي من الطقس والمنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، تؤثر على نفسيات الناس لأنها طاقة سلبية معدية، وتزيد انتشار الاكتئاب بشكل أكبر. وقالت “لكن عكس النظرة الإيجابية للمناخ، ليست النظرة السلبية، بل امتلاك الذكاء اللازم الذي لا يجعلنا نعير اهتماما كبيرا لأحوال الطقس ونجعله محور تفكيرنا، نحن بإمكاننا أن نغير ما نريد، وإذا بدأنا بتغيير طريقة تفكيرنا فحتما سيتغير واقعنا، وعلينا أولا الانشغال بتحديد أهدافنا ووضع مخططات لها، وهذا من شأنه أن يحد من تركيزنا على الطقس وتأثيراته علينا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر