السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

تأثير دانينغ كروجر

بحث الاختلافات في الإدراك بين الثقافات المختلفة، سيعطي نتائج مفيدة في تحسين ظروف التعلم بين الطالب والمعلم، وفي مجال الثقافات المتعددة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/02/10، العدد: 10539، ص(24)]

أثق بأن القارئ أيضا مصاب بهذا التأثير، كما أشعر بأني وكثيرا ممن أعرفهم، مصابون به أيضا، أو بأجزاء منه. وقد درس كلٌ من ديفيد دانينغ وجاستن كروجر، من جامعة كورنيل في نيويورك، أواخر التسعينات حالة اللص مكارثر الذي كان قد تم وضعه في السجن بتهمة سرقة مصرف في العام 1995. كان مكارثر قد هاجم المصرف في عز الظهر، ودون أن يرتدي أي قناع. وحين سألته الشرطة عن الأمر، قال إنه تنكر بالفعل. ولكن حين عرضوا عليه شريط كاميرات المراقبة، صرخ مستنكرا “ولكنني ارتديت العصير”! وكان مكارثر على يقين بأنه لو مسح وجهه بعصير الليمون، فإن كاميرات المراقبة لن ترصد ملامحه.

لقد اعتقد اللص أنه أذكى مما هو عليه. ولذلك تصرف على هذا الأساس. وهكذا يشير تأثير دانينغ ـ كروجر إلى “ميل الأشخاص غير المؤهلين إلى المبالغة في تقدير مهاراتهم بسبب عدم قدرتهم على المنافسة ومعاناتهم من ‘وهم التفو'”. ويقول الباحثون إن الأشخاص الأذكياء يتمتعون بثقة كبيرة تجعلهم يتجنبون ذكر مدى كفاءتهم، على عكس الأشخاص العاديين. ذلك أنهم لو ذكروا مستواهم الحقيقي في تلك المهارات لربما يطلب منهم التنافس مع أحد. وهذا ما لا يريدونه.

يقول العلماء إن تأثير دانينغ – كروجر هو انحياز معرفي واعتقاد عند بعض الناس حول تفوقهم على الأفراد الآخرين، حيث يقوم الفرد بتضخيم إيجابياته وتصغير سلبياته. وينتج عنه سوء تقدير للقدرات الذاتية والبيئة المحيطة. وهذا التأثير هو السبب الذي يجعل الناس أغبياء في الكثير من الأحيان، حيث لا يدركون عدم الكفاءة الخاصة بها، على الرغم من كونها واضحة للجميع من حولهم. في حين أن هناك أشخاصا أذكياء يجري التقليل من إمكانياتهم.

يعتبر هذا التأثير واحدا من ضمن نهج واسع يطلق عليه “ميتاكوغنيشن”، أي إدراك الإدراك، أو التفكير حول التفكير، أو المعرفة عن المعرفة، وهي اليوم مجال بحث متعدد يمكننا من فهم ما الذي يدور في عقولنا. وكيف نرى نحن ذلك الذي يدور. بحث الاختلافات في الإدراك بين الثقافات المختلفة، سيعطي نتائج مفيدة في تحسين ظروف التعلم بين الطالب والمعلم، وفي مجال الثقافات المتعددة. على اعتبار أن الميتاكوغنيشن هو أداة للمحافظة على البقاء، فهو إذا “ضرورة حية في جميع الثقافات”.

وهكذا تبدو الثقافات اليوم، وقد عاشت دون أن تفكر في ذاتها وفي غيرها، بل رضيت واستكانت لما تعتقد أنها عليه. ولهذا يعتقد المسلمون أنهم على حق، ويظن اليهود أنهم شعب الله المختار دون ريب. ويرى المسيحيون أن الطريق الوحيد إلى الرب يمر من ذلك الصليب الخشبي. أما العلمانيون، كثقافة، فيعتقدون أنهم ودون أدنى شك، هم الوحيدون الذين يستحقون أن يبشروا بحياة قادمة للبشرية. ويرى العرب أنهم مهزومون اليوم، دون شك، ويرى الفرس أنهم يصعدون أيضا دون شك. ولو فكر كل منهم في ثقافته وحاله مرة ثانية وثالثة، لربما اكتشف أمورا أخرى.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر