الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

جناية التشيع والتسنن على الإسلام

الدين كان دينا قبل اختراع التشيع والتسنن، فلم يكن الإمام عليّ علويا، ولا كان الإمام الحسين شيعيا. ولم يسع صحابي أو تابعي إلى تأسيس فقه علوي أو شيعي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/02/14، العدد: 10543، ص(9)]

غادرت البصرة صباح الأحد، بعد انتهاء مهرجان المربد الشعري الثالث عشر (من 1 إلى 4 فبراير 2017)، وقد تبددت لديّ الصورة الذهنية عن خطورة الأوضاع الأمنية في المدينة، وقلت إن الشمال والجنوب كلاهما آمن؛ نظرا إلى طبيعة السلطة التي لا تنازعها سلطة أخرى، وفقا للمحاصصة المذهبية أو العرقية. وبعد ثلاثة أيام (8 فبراير)، اغتيل الأمين العام لحزب الله في البصرة باسم الصافي، لتتأكد لي هشاشة الأمان المبني على أي أسس خارج قوة القانون الإنساني، وسلطة “الدولة”، وأن الطائفية يمكن أن تأكل نفسها.

يسعفني عنوان كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” لأبي الحسن الندوي، دلالة على انحطاط مستمر، يتنافس فيه الجاني والضحية على الفوز بالجنان، كلاهما يسمي عزمه على قتل الآخر المسلم جهادا في سبيل الله، ونصرة للدين، ولكن الدين كان دينا قبل اختراع التشيع والتسنن، فلم يكن الإمام عليّ علويا، ولا كان الإمام الحسين شيعيا. ولم يسع صحابي أو تابعي إلى تأسيس فقه علوي أو شيعي؛ إذ خرج الثائر، الذي لا يكذب أهله، ابتغاء تحقيق العدل السياسي والاجتماعي، من دون أن يرفع راية سوداء شيعية، وأظنه “لو” اطلع على الغيب، وتأكد له خذلان من دعوه إلى القدوم لما خرج، فيحقن دماء أهله، ويعفي الذين سيصير اسمهم “الشيعة” من جلد الذات طوال أربعة عشر قرنا قابلة للتمديد، ويجنب الذين أصبحوا “السنة” وزر دمه، وهم أبرياء من القتل، ومن أي صلة دم أو فكر بيزيد وأبيه.

ما حمل عنوان “التشيع” بدأ ثورة على الاستبداد والاستئثار بالحكم وتوريثه، وانتهى نظرية ظاهرها الفقه الديني وباطنها أباطيل السياسة وجرائمها. ولا يحتاج الإسلام في التطاحن الدامي بين الفريقين إلى من يتآمر عليه، سيسعى الطرفان للاستعانة بالمختلف في الدين، في استدعاء لسياسيات ملوك الطوائف.

أعود إلى بعض أدبيات الشيعة لأكتشف اتساع المسافة بين الحلم بالعدل، ومصادرة الحق في الآدمية بقياس آدمية الإنسان في ضوء دينه ثم مذهبه. في كتابه “بناء الذات الثورية” يقول علي شريعتي إن “ثورات الناس في عهد بني أمية (كانت) كلها سياسية وطبقية، على أساس العدل الطبقي والخلاص الإنساني”. ولم يعش شريعتي ليرى سلوك المستضعف حين يصل إلى الحكم، وربما طور شريعتي اجتهاده في اتجاه آخر إذا كتبت له النجاة من “الوالي الفقيه” الذي ستكتمل به دائرة الثورات؛ إذ تحرم الثورة على ظلّ الإمام المعصوم. ويذكر أحمد الكاتب في كتابه “التشيع السياسي والتشيع الديني” أن نظرية “الإمامة الإلهية” تحولت من نظرية سياسية مؤقتة إلى “عقيدة دينية” ملحقة بالإسلام، “وأصبح الإيمان بالأئمة الاثني عشر لدى الإمامية جزءا متمما للإيمان بالله ورسوله”، ويذكر أنه نشأ على الإيمان بهذه “العقيدة” وأصبح من الدعاة إليها، إلى أن قاده البحث عن أصول نظرية “ولاية الفقيه” إلى العثور على “نصوص قديمة من مشايخ الطائفة الإثني عشرية، تصرح بعدم وجود أدلة علمية تاريخية قاطعة على ولادة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري وأن الاعتقاد بولادته ووجوده يقوم على افتراضات كلامية عقلية، فدفعني ذلك إلى دراسة نظرية الإمامة الإلهية من جديد لأكتشف أنها لم تكن نظرية أهل البيت السياسية، وإنما كانت من صنع المتكلمين والغلاة، الذين يلتفون حول الأئمة.

يسهل الأمر لو كان عقيدة دينية، مجرد اعتقاد لا يستثمر في تجييش واستبداد رسمي أو شعبوي. فلا يضير الإسلام أن يُدين فريقٌ صحابيا لدرجة التكفير، وقد عاشت الأديان الإبراهيمية من دون أن تتعايش أو تتفق على الأصول، بل إن البعض منها ينكر البعض الآخر من الأساس، إلى أن وجدت الحداثة صيغا للتعايش في إطار “الدولة” العلمانية التي تحترم الأديان، وتصون الحريات الدينية وغير الدينية لمواطنيها، وهذا ما ينكره أي حكم ديني أو طائفي. يقول شريعتي في “بناء الذات الثورية” عن أبي العلاء إنه “شاعر متشائم كفيف شكاك ووحيد في المعرة، يستطيع مع عزلته وضعفه أن يجهر باعتراضه على إيمان الحاكم وإسلام الحاكم، وحتى على الله والدين، ويبقى آمنا”. فإلى أي مدى يتاح للمختلف في الرأي الديني والسياسي أن يبدي رأيه ويبقى آمنا في ظل هوس رسمي وشعبي؟ من يجرؤ مثلا على انتقاد “الحشد الشعبي المقدس”؟ أو الاعتراض على سياسات “حزب الله” إلا من يقف على الجانب الآخر.. “المندس” مع “حزب الشيطان”؟ حتى صديقي الذي عرفته في المنفى، ثم تولى منصبا مرموقا في العراق بعد الغزو، اقترب مني وهو يومئ إلى صورة الإمام الحسين ملصقة على جانب الحافلة، وسألني هامسا “تقدر تعترض؟”، وقلت إن على كل مواطن أن يمارس الاعتراض في بلده، ففي كل بلد عربي ما يكفي من خطايا توجب الاعتراض. وضحكنا.

لنتصور أي خطر وهمي سيتعرض له الإسلام إذا صار بلا مذاهب، ولو تعطلت مؤسساته الكهنوتية. لم يرصد باحث تأثير تشييد الجامع الأزهر على المصريين، وقد حمل لقب السيدة فاطمة الزهراء التي ينتمي إليها الفاطميون، وكذلك التأثير المضاد المترتب على سقوطهم، وصعود صلاح الدين الأيوبي عام 1169 ميلادي، وإبطاله كل المظاهر الشيعية الإسماعيلية، ومنعه إقامة الصلاة في الأزهر الذي أغلق نحو مئة عام، إلى أن أعاد الظاهر بيبرس فتحه للصلاة، ومنذ ذلك الوقت صار رمزا للمذهب السني. هضم المصريون تلك العواصف، وصعدت دول وزالت، وبقي الجوهر المصري متجاوزا المذاهب، وإن حلا للمنظرين وصفه بالمذهب السني والهوى الشيعي. ولا تعني المصريين هذه التنظيرات، وهناك ملايين لا يعرفون هل ينتمون إلى السنة أم الشيعة؟ ولعلهم لم يسمعوا بهذه المصطلحات إلا مع الصراعات السياسية بعد عام 1979.

من آثار الاستبداد المذهبي أن يعمي القلوب، فننصر فردا أو فريقا لمجرد انتمائه إلى مذهبنا، وليس لأن قضيته إنسانية عادلة، قس هذا على الجغرافيا العربية من لبنان إلى اليمن والبحرين. والأسوأ أن تنصّب دولة نفسها مسؤولة عن حماية المنتمين إلى مذهبها أيا كانت جنسياتهم، في خلط للديني بالمرارات التاريخية. يصف ليوبولد فايس “محمد أسد” في سيرته “الطريق إلى مكة” مشاهداته في إيران في عشرينات القرن العشرين، وكيف كانت العيون الحزينة “تعبر عن القدر المأساوي لذلك الشعب”، إذ قضى العرب على الامتداد القومي لفارس، وتحول الكره القومي إلى كره عقائدي، “ومن داخل عداء قومي، ولدت شريعة دينية مغايرة. كان تعظيم وتمجيد الإيرانيين للعقيدة الشيعية تعبيرا عن احتجاج صامت على غزو العرب لإيران”.

وتحتاج رؤية فايس لإيران الشيعية وقفة مستقلة الأسبوع القادم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر