الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أجيال حسب الطلب: حلم طبي يثير الجدل الأخلاقي في المجتمعات

  • الأصوات تعلو في الأوساط العلمية والاجتماعية والدينية، مطالبة بإعادة النظر في أبحاث تحسين النسل، خوفا من الخطر الأكبر من الآمال المعلقة عليها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/02/14، العدد: 10543، ص(21)]

تحسين النسل ضرورة أم ترف؟

مازالت تداعيات حصول هيئة التخصيب البشري وعلم الأجنة في بريطانيا على تصريح يسمح لها بممارسة تطبيقات التعديل الوراثي على الأجنة، تثير الكثير من الجدل في العديد من الأوساط الاجتماعية والدينية وتغذي المخاوف من توظيفها في أهداف غير أخلاقية. ويطلق العلماء على هذه التقنية “تحسين النسل” أو “ابحث استبدل”، ويعني ذلك تعديل واستبدال الجينات المريضة، لتصحيح التشوهات الجينية.

كما ينادي بعض العلماء المناصرين للهندسة الوراثية، بضرورة اعتماد هذه التقنية للمحافظة على خصائص المواهب الفذة، من حيث الكفاءة العقلية والشخصية المفضَّلة اجتماعيا والخالية من العيوب الجسدية، وضمان توارث ذلك عبر الأجيال. وتعالت الأصوات المطالبة بوقف هذه التجارب، خوفا من التدخل في الصفات الوراثية البشرية، وإنتاج أطفال مصنعين بالكامل و”حسب الطلب”.

ويسود التوجس من استغلال الأغنياء لهذه التقنية في تحسين خطهم السلالي، وعجز الفقراء عن ذلك، مما سيؤدي إلى خلق نظام بيولوجي جديد للطبقات. وكان الفيلسوف الأميركي غريغوري كافكا من أشد المعارضين للتعديل الجيني، فهو يرى أن أي حركة تهدف إلى التطوير الجيني، يمكن أن تساهم في إرساء عدم المساواة الاجتماعية، مشيرا إلى أن الأرستقراطيات القديمة حسب المولد أو اللون أو الجنس قد تختفي، لتحل مكانها أرستقراطية جينية جديدة.

استغلال الأغنياء لتقنية التعديل الوراثي في تحسين خطهم السلالي، سيؤدي إلى خلق نظام بيولوجي جديد للطبقات

وقال في هذا الشأن إن “التصدعات العميقة في المجتمع، يمكن أن تتسع لتصير هوة عميقة، إذا توافر للأغنياء فقط إمكان اختيار خطهم الوراثي”. ونبّه خبراء في أخلاقيات البيولوجيا إلى أهمية مناقشة وبحث القضايا الأخلاقية المتعلقة باستخدام أحدث تكنولوجيا للتعديل الوراثي وتدعى “كريسبر كاس9”. وتعد هذه التقنية تصميما جزيئيا يتعرف على مناطق دقيقة في الحمض النووي، ويقوم بقطعه بـ“مقص جزيئي” لتعديل شريط الدي إن إيه.

وأحدثت التقنية نقلة في الأبحاث في مجموعة من المجالات، مما يعني أن الأجنة المعدلة وراثيا أصبحت تلوح في الأفق، وليست مجرد احتمال. وشدد البعض من علماء الهندسة الوراثية على ضرورة إحاطة عامة الناس بالقضايا الأخلاقية المتعلقة بالتعديل الوراثي والمسارات التي قد يتبعها هذا العلم. صحيفة “العرب” استطلعت آراء بعض الأشخاص من الدول العربية، لتسليط الضوء على وجهات نظرهم المختلفة بخصوص هذه الأبحاث.

عبر الصحافي التونسي كمال الشارني في بداية حديثه لـ”العرب” عن إعجابه بأبحاث الجينوم البشري، والإنجازات العلمية التي ساهمت في تحسين صحة الكائن البشري بشكل عام، مشيدا في الوقت نفسه بما توصل إليه العلماء بشأن الجين المسؤول عن مرض ألزهايمر، وأيضا بما تحقق في أبحاث الخلايا الجذعية، التي أتاحت إمكانية تجديد الأعضاء التالفة من المريض نفسه.

إلا أن الشارني لم يخف أيضا تخوفه من أبحاث الهندسة الوراثية قائلا “هناك جانب يظل بالنسبة إلي مظلما وغامضا ومخيفا من الأبحاث التي تهدف إلى خلق الكائن الخارق والمسيطر، أو الجندي الذي لا يقهر، وهذه أهداف عنصرية وغير إنسانية، وأكثر ما يخيفني الاستخدامات التجارية لأبحاث الجينوم البشري، والتي تهدف إلى صناعة الأعضاء البشرية والتجارة فيها، ومن هذا المنظور قد يصبح جسد الإنسان أشبه بقطع غيار السيارة”.

ورحبت ابنة بلده المدرسة سامية ماني العيوني، بأبحاث الجينات التي يكون هدفها الأساسي خدمة البشرية وحمايتها من الأمراض المزمنة، قائلة “تغيير الجينات هو الحل الأنجع لحماية النسل ووقايته من الأمراض، ولذلك فأنا لا أجد أي مبرر لوقفها أو معارضتها إذا لم يكن توجهها يتعارض مع ما جاء في شريعتنا الإسلامية”. فيما قال الصحافي المصري إيهاب سلطان “أبحاث الجينوم البشري سلاح ذو حدين، لأنها مثل أي تقنية حديثة لا نعرف مستقبل نتائجها، ويتوقف الأمر هنا على أي مجال ستسخدم فيه؟ ومتى؟ ومن المسؤول عن استخدامها؟”.

وأضاف “أؤيدها في حال تمكنت من قيادة البشرية إلى حياة صحية وخالية من الأمراض، وأحدثت ثورة حقيقية في الطب وفي مجال صناعة الأدوية، وكانت الفائدة عامة على جميع الناس ومن دون تمييز أو أفضلية للبعض عن البعض الآخر، وأعارضها بشدة عندما تستخدم في ما يخالف صنع الله في خلقه، أو تسببت في هدم مؤسسة الأسرة، أو يكون الغرض منها توسيع الهوة بين الأمم الفقيرة والغنية”.

البعض من علماء الهندسة الوراثية شددوا على ضرورة إحاطة عامة الناس بالقضايا الأخلاقية المتعلقة بالتعديل الوراثي والمسارات التي قد يتبعها هذا العلم

أما الصحافي الفلسطيني عامر أبوشباب، فيرى أن سطوة العلم لا يمكن كبح جماحها إلا بالأخلاق، مشيرا إلى أن أبحاث تعديل الجينات إذا كان الهدف منها القضاء على الأمراض المرتبطة بالوراثة وتحسين الصحة العامة، فيجب الثناء عليها وتشجيعها، أما إذا كان الغرض منها التغيير الترفي وغير الأخلاقي، فإنها من وجهة نظره ستشكل انحرافا بشريا كبيرا، قد لا يخلو من المخاطر الصحية والاجتماعية والأمنية مستقبلا.

غير أن السؤال الذي بقي يتردد في العديد من الأوساط الاجتماعية، هو ما مدى توافق أبحاث الجينات مع الشريعة الإسلامية؟ ويرى المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني، أنه لا مانع من تحسين الجنس البشري، بواسطة التأثير على الجينات، إذا لم تكن لذلك مضاعفات جانبيّة. فيما أكد الدكتور محمود عبدالرحمن عطية من علماء الأزهر، في حديث لـ”العرب” أن قضية الجينوم البشري والهندسة الوراثية تنقسم إلى قسمين؛ الأول نافع للبشرية ولا مانع منه ولا تحريم، بل يجب تشجيعه ودعمه علميا حتى يتطور، مثل الأبحاث التي هدفها الوقاية من الأمراض الخطيرة والمستعصية وحماية الجنس البشري من عدواها، وكذلك علاج تشوهات الأجنة للحفاظ على أطفال أصحاء جسديا وعقليا.

أما القسم الثاني، والمتمثل في بنوك الجينات وما تحويه من شيفرات جينية ووراثية خاصة بالإنسان، فإنه لا بد، من وجهة نظره، أن يخضع لضوابط أخلاقية وشرعية صارمة، نظرا لما قد ينطوي عليه من خلط في الأنساب قد تم تحريمه في جميع الشرائع السماوية. وأوضح أن تحديد نوع الجنين أو تغليب جنس على آخر، مثل البيض على السود، وكذلك استنساخ الأطفال، بغرض التجارة في الأعضاء أو زراعتها، من الأمور المحرمة شرعا.

وحذر عطية من البعد عن شرع الله تعالى في بعض التطبيقات العلمية وتنفيذها على أرض الواقع دون سند فقهي وشرعي لما يترتب على ذلك من فساد في الأرض وفساد للعقيدة. ولكن يظل السؤال الأهم دون إجابة وهو هل سيجعل تغيير الجينوم البشري حياة الأجيال المقبلة أفضل وأكثر سعادة؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر