الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

هتلر ابن نكتة

أزهى عصور النكتة في أوروبا كان في الثلاثينات من القرن الماضي في برلين. كان الجو مكفهرا مخيفا منذرا وكان الضحك صاخبا، وسط كل هذا ظهر هتلر وبقية الحكاية مألوفة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/02/14، العدد: 10543، ص(24)]

هذه أوقات صعبة. قلق وتربص وخوف هنا في بريطانيا وربما في أجزاء العالم الأخرى. لا عجب إذن أن تظهر الإحصائيات الأخيرة ارتفاعا واضحا في مبيعات مجلة السخرية الأولى في بريطانيا واسمها “برايفت آي”. الوضع في بريطانيا قلق إلى حد الضحك. باختصار شديد، رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي لم تتحمس يوما لترك الاتحاد الأوروبي بل وكانت تريد البقاء في الاتحاد، تواجه البرلمان داعية بحماس إلى ما لا تريد، أي إلى الخروج من الاتحاد. ومن جهة أخرى توافق المعارضة الحكومة رغم كونها معارضة ورغم كونها تريد الخروج حقا لكنها معارضة محكومة بالاصطفاف مع الحكومة.

الوضع مجنون كما ترون. ولعل هذا يفسر صعود مبيعات الصحافة التي تنظر إلى كل هذا وتضحك بدلا من أن تتأزم. هذه آلية يدركها الشعب المصري، أكثر شعوب العرب ضحكا، دون فلسفة وتحليل. هكذا بالسليقة يضحك المصريون وعندما تسألهم: لماذا تضحكون؟ يجيبون بعمق مذهل وبسيط: من غُلبنا. وهذا صحيح تماما.

نظام عبدالناصر كان يمتلك وسائل تأديبية قوية جدا وكان الوضع الاقتصادي جيدا لكن الوضع الاستهلاكي سيء للغاية. والأخير هو الذي يهم الجمهور. وبرغم قسوة النظام عرفت مصر عصر كوميديا عجيبة لكنها كوميديا هامسة.

يقال إن أزهى عصور النكتة في أوروبا كان في الثلاثينات من القرن الماضي في برلين. كان الجو مكفهرا مخيفا منذرا وكان الضحك صاخبا، وسط كل هذا ظهر هتلر وبقية الحكاية مألوفة. يمكن أن نقول دون أن نرمى بالجنون إن هتلر أنجبته الضحكات.

كان الكوميدي الراحل روبن وليامز في عصر جورج بوش الابن وحمقه وكوارثه التي لا تنتهي يقول “من قال إن النكتة ماتت. النكتة حية ترزق وتعيش في البيت الأبيض”. ولدى الإعلان عن فوز ترامب لم يجد المثقف العاقل مخرجا من الخوف على مستقبل البشرية، وأصبح شخص غير متزن يصل إلى هذا القرب من زر التحكم في أكبر ترسانة نووية، سوى الضحك. كل العقلاء وجدوا أنفسهم يقولون “سنضحك كثيرا. إنه رئيس مسل على الأقل”.

يقول التاريخ إن هنري الثاني الملك الصارم البطاش، الذي شهد عصره ازدهارا لإنكلترا في القرون الوسطى، كان يتفادى البطش بالضحك.

القرون الوسطى جميلة لأن مكونات الطبخة التي هي الدولة موجودة كل على حدة. يعني بدل شوربة العدس ترى البصل وزيت القلي والعدس البرتقالي المنقوع شيئا من الشعرية أيضا. في القرون الوسطى هناك العرش والكنيسة والنبلاء والجيش كل على حدة وليس مدمجا على هيئة دولة.

المهم، كانت المعركة بين البلاط والكنيسة في أوجها إذ دخل راهب على الملك وهو في مجلسه ووسط نبلائه وقال بصوت عال وواضح مخاطبا الملك “لا سلام ولا تعظيم لواحد مثلك؛ لص من سلالة لصوص ومغتصب للعرش ويستحق الجلد والتعزبر في ساحة عامة شأنه شأن أي لص منحط”. بهت الجميع وتعلقت الأنظار بالملك.

صمت هنري قليلا متدبرا أمره. وبعد لحظات أطلق ضحكة مجلجلة فضحك الجميع.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر