الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

'الملك الأبيض': مستعمرة فاشية اسمها وطن

  • رصدت السينما في سنوات مبكرة الإشكالية المرتبطة بالمدينة الفاضلة، ويحضر أمامنا الفيلم الألماني الشهير “ميتروبولس” (إنتاج 1926)، والفيلم البريطاني “أشياء آتية” (1936) عن قصة للكاتب ذائع الصيت أج جي ويلز، ثم الفيلم الأميركي “الأفق المفقود” (1937)، ثم “الكوكب الممنوع” (1950)، ثم فيلم “كلوسوس: المشروع الممنوع” (1970)، ففيلم “الهرب من نيويورك” (1981)، مرورا بأفلام ظهرت في التسعينات مثل “الأيام الغريبة” و”غاتاكا والمدينة المظلمة”، وصولا إلى الأفلام الحديثة كـ”المعطي” و”حافة الغد” و”مساواة” و”300 يوم” و”بين النجوم” وغيرها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/02/20، العدد: 10549، ص(16)]

لا مجال للعبث

أن يعيش الناس فرادى يمتلك كلّ حريته وقراره، أو أن يعيشوا في شكل كانتونات جمعية لا يمتلكون فيها لا قرارهم ولا تصرّفاتهم وكل شيء بيد جهات عليا، ظلّ هذا المصطلح يرافق المجتمعات حتى الساعة، وانتقل إلى الخيال العلمي في شكل تلك اليوتوبيا التي ظلت تداعب خيال البشر، المدينة الفاضلة السعيدة والمثالية.

ومن جهة أخرى، هي بيئة صالحة لمسلوبي الإرادة، أولئك الذين تتحكم فيهم الجهات العليا، وأحيانا هنالك أخ أكبر يسير مع بطانته كل شيء، فكيف يمكن أن تستقيم اليوتوبيا الحلمية مع دكتاتورية مستحكمة تحصي على الناس أنفاسها؟ الإجابة ربما تأتينا من خلال مقاربة أخرى جديدة وملفتة للنظر يقودها المخرجان/الزوجان أليكس هيلخريفت ويورغ تيتل في فيلم “الملك الأبيض” (إنتاج 2017).

هنا يمكنك تلمّس المغامرة منذ اللقطات الأولى التي تظهر أسماء فريق العمل، حيث تم استخدام الغرافيك والرسوم المتحركة بالأبيض والأسود والأصفر، تظهر صور العولمة ومجتمعات الاستهلاك: ناطحات السحاب، الشوارع المكتظة بالسيارات، الحشود التي تعبر الطرقات وهي تخضع لأمرين لا ثالث لهما: تحرّك أو لا تتحرّك، ثم تظهر ماكنة عملاقة تقوم بالتهام كل شيء.

سنكون مباشرة في وسط مستعمرة يسمّيها بيتر برادشو، الناقد السينمائي لصحيفة “الغارديان” البريطانية، أنها “مستعمرة فاشية” اسمها وطن، كل شيء فيها خاضع لأوامر من جهات عليا، بما فيها القبض على بيتر (روس بارتريدج) باعتباره خائنا.

وفي المقابل، لا يفهم الابن ذو الاثني عشر عاما جاتا (الممثل لورينزو الجيرج) ما يجري سوى أن أباه ذاهب في مهمة عمل، ولنشاهده يكابد يومياته في واحدة من تلك المدارس التي تشبه المدارس النازية: الإيقاعات العسكرية الاستعراضية، رفع راية الوطن، الإدارات العسكرية الصارمة والعقوبات المشددة، حتى يتكشف للفتى جاتا أنّ أباه خائن، ويترتب على ذلك حصار مطبق وتجويع له ولأمّه هانا (الممثلة أغنيس ديان).

الفيلم يحفل بأجواء ديستوبية خانقة وفاشية تعيد للأذهان عصور النازية المزدهرة وسائر الأنظمة الشمولية

يتصاعد السرد الفيلمي على مسارات متعددة وكلها تطبق على الأم وابنها ومن ثم على والديْ بيتر، أبوه الجنرال المشهود له في خدمة الوطن وأمّه الثورية المناضلة الشهيرة، مسار تحاول من خلاله العائلة إثبات براءتها ووطنيتها، مسار آخر يتعلق بالطفل نفسه الذي تلاحقه اللعنات والإساءات من كل الجهات ويصدم عندما يعلم أن والده ليس سوى سجين رأي لا أكثر، ومسار أخير يختصر فكرة المغامرة التي يلجأ لها الجميع عسى أن ينقذوا بيتر.

ويجسّد البناء المكاني ذلك الحصار النفسي والجسدي المطبق على الجميع، البيوت التي تشبه بيوت الصفيح تتوزّع عليها العائلات، ثم تنفتح على إطلالة تمثال عملاق أبيض يشهر ما يشبه المذراة التي تصبح أيقونة المستعمرة، فيما الجميع ملاحقون بالجواسيس والكاميرات.

دولة الأخ الأكبر هي التي تتحكم، وهي دولة ضاربة في المدنية في حياتها الأكثر خصوصية، ولكنها في ما يتعلق بمن تستعمرهم، فإنهم يعيشون حياة بدائية، ذلك ما ستكتشفه الأم وابنها بعد لقائهما بالسيدة الجنرال التي تعيش في عالم آخر ولا ترضيها سوى ممارسات شاذة تريد أن تتقاسمها مع هانا التي ترفض بشدة.

يصبح الطفل نقطة الضعف والألم على صعيد الأيديولوجيا والمشاعر الإنسانية، كما أنه محور السرد الفيلمي، وهو يتنقل في عذاباته من حال إلى حال، ومن خلال ذلك تتصاعد الدراما الفيلمية.

من المشاهد المؤثرة في الفيلم، تلك التي يحرض فيها الجدّ حفيده جاتا على رمي قطة بالرصاص حتى يتجاوز مرحلة الطفولة ويصبح قادرا على الرد، ثم مواجهته لثلة من فتية المستعمرة المستهترين تنتهي بالاقتصاص منهم.

أجواء ديستوبية خانقة وفاشية تعيد للأذهان عصور النازية المزدهرة وسائر الأنظمة الشمولية، وقد أجاد فريق العمل تقديم عمل متماسك ارتقى بالرواية التي كتبها الروائي جورجي دراغومان الذي عاش فصول الشمولية في عهد الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو، ونقلنا إلى أي عصر أو حكم تسود فيه تلك النزعة الفاشية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر