الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

لست أدري

كلنا نهوى الأسئلة التي لا إجابة لها وتظل معلقة على أنها من طلاسم الكون. وأنا عندي ثلاثة طلاسم لا ترد في القصيدة لكني أطيل التأمل فيها.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/02/21، العدد: 10550، ص(24)]

نحن الآن في عام 2017 وبهذا تكون قد مرت تسعون عاما على صدور ديوان الجداول لإيليا أبوماضي. الديوان صدر عام 1927 وفيه قصيدة أسماها الطلاسم. وقد بلغ إعجاب العرب بها أن عبدالوهاب لحنها وقدمها في فيلم في الأربعينات. لكن شهية الجمهور لم تشبع فأعادوا تقديمها يغنيها عبدالحليم حافظ هذه المرة في فيلم الخطايا في الستينات. ويبدو من سياق الفيلم أن القصة وضعت خصيصا ليغني عبدالحليم لحن ما اختاره عبدالوهاب من قصيدة الطلاسم التي يعرفها الجمهور باسم “لست أدري” أو “جئت لا أعلم من أين”.

لا تزال القصيدة مثيرة إلى يومنا هذا وتثير لغطا بعد مرور قرابة القرن. اكتشفت أن سر ولع الجمهور المتجدد بهذه القصيدة هو أنها مكونة من تساؤلات وألغاز لا يعرف الشاعر لها جوابا. هي منظومة من رباعيات شطرية تقفل كل رباعية شطرية عبارة “لست أدري”. كلنا نهوى الأسئلة التي لا إجابة لها وتظل معلقة على أنها من طلاسم الكون. وأنا عندي ثلاثة طلاسم لا ترد في القصيدة لكني أطيل التأمل فيها.

اللغز الأول أفكر فيه كل ليلة قبل أن أذهب إلى الفراش وفي لحظات تنظيف الأسنان بالفرشاة. اللغز هو: هل رأى أحدكم أنبوبة معجون أسنان منتهية وفارغة تماما؟ أنا لم أر أنبوبة منتهية. هي شيء غريب كلما تعصرها يظهر أن فيها معجون. وقد سألت كل من أعرفه: هل انتهت أنبوبة معجون الأسنان عندك؟ وأتلقى الإجابة ذاتها وهي أن الأنبوبة يظل فيها معجون طالما هناك من يعصرها. الأنبوبة تفرز وتفرز ونحن نعصر ونعصر إلى ما قُدر لنا. قد تقولون إن هذا اللغز الكوني تافه وليس بمستوى أسرار المآل والمصير التي يذكرها إيليا أبوماضي. أتفق معكم لكنه لغز كوني على كل حال.

اللغز الثاني يأتي كلما ركبت قطارا. أنا أحب القطار وأعتبره أحسن وسيلة للسفر. لا أعتراض على القطار. لكن اللغز هو أن القائمين على الرحلة يقولون للركاب وجهة القطار بعد أن يغلقوا الأبواب ويبدأ القطار حركته ولا مخرج هناك. يعني تنغلق الأبواب الهايدروليكية الجبارة التي تشبه بوابات سفن الفضاء في أفلام الخيال العلمي، ثم يأتي عبر المكبرات صوت يقول “هذا القطار متجه إلى بورنموث”، مثلا. وقد يصدف أنك تريد أن تذهب إلى ريدنغ وركبت القطار الخطأ. هنا تأتي المعلومة لتغيظك وتنكد حياتك فقط حيث لا تستطيع أن تفعل شيئا. لماذا يعلنون عن وجهة الرحلة بعد إغلاق الأبواب وتحرك القطار؟ لست أدري، كما يقول إيليا أبوماضي.

الطلسم الثالث هو أن عددا من الدول، من بينها بعض مناطق الولايات المتحدة، تنفذ أحكام الإعدام بحقن المحكوم بكوكتيل من السموم على رأسها السيانيد. الحقنة تردي متلقيها ميتا في غضون ثوان. كل هذا لا اعتراض عليه ولا احتجاج ولا لغز هناك. السؤال هو أنهم حين يحقنون إنسانا ليقتلونه في غضون ثوان، لماذا يستخدمون إبرة معقمة؟ لست أدري.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر