السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الاتحاد الخليجي.. وعودة العرب إلى جزيرة العرب

بالعودة إلى دعوة العرب للعودة إلى جزيرة العرب، أصبح من الضروري لتلك العودة أن تكون على شكل استناد تاريخي لمشروع عربي يخرج من جزيرة العرب هذه المرة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/10، العدد: 9405، ص(9)]

أشرت سريعاً، قبل أيام، إلى التصورات الآخذة في التصاعد لدى الأعراق والأقوام وحتى الأديان التي كانت تعيش في العراق وبلاد الشام قبل الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، وبسط سلطة الدولة العربية على أرجاء واسعة شكّلت أكبر إمبراطورية في التاريخ في ذروة العهد الأموي، بحدودها التي وصلت سور الصين شرقاً، وروسيا شمالاً، ومساحات شاسعة من أوروبا غرباً.

وأكثر تلك التصورات فحشاً، تلك التي تبرّر الانقلاب على الوجود العربي في المشرق، بحجة كون العرب مجرد غزاة جاؤوا على ظهر الخيول واستوطنوا في المناطق التي يريد لها سكانها حالياً أن تستقل بدولٍ قومية وبعضها يريد تلبيس هويته القومية بصبغة مذهبية، ومشكلة هذه المرحلة من التاريخ، أنها عرضت أمام ناظري الجميع، كل الاستحقاقات التي تم تأجيلها طويلاً أو التهرب منها، لهذا السبب أو ذاك، وحين انتفض الشعب السوري بعد طول صمت وغياب عن الحدث، اختار نظام بشار الأسد أن يقوم بتحويل الصراع من شكله الأول المباشر «شعبٌ يثور على طاغية» إلى ملف دولي، وبتدويله للشأن السوري قدّم خدمة كبرى للمنطقة لتعيد فتح ملفاتها جميعاً، ما يتعلق منها بالأمن القومي والصراع على النفوذ، والصراع العربي الإسرائيلي والصراع المذهبي السني الشيعي وأوضاع الأقليات، فظهر العوار في أدوار بعض دول المنطقة، ومنها ما لم يكن قد انتبه إلى غياب دوره كالعراق الذي غُيّب خلف احتلالين أميركي وإيراني، ومنها ما كان قد تقلّص دوره ليقتصر على الشأن الداخلي كما في حالة مصر التي لم تعد قادرة على مناقشة قضايا مثل مسألة منابع النيل أو قطاع غزّة أو دول الجوار، ناهيك عن مسائل أكبر كأمن بلاد الشام، ومنها ما اختار أن يكون بلا دور أو أطلق عليه دوره «الحياد الإيجابي» كدولة لبنان، فلم يلبث أن وجد نفسه في عين العاصفة. أما الدول المعنية أكثر بمسألة الأعراق والأقوام فهي دول الخليج العربي، التي تضم ما عرف تاريخياً بجزيرة العرب، والتي يقال إن على العرب أن يعودوا إليها بعد خمسة عشر قرناً من الانتشار في الأصقاع.

وكانت دول الخليج قد بحثت في الماضي عمّا يضمن لها أمن الإقليم ومصالح كياناته السياسية المتجاورة، فكان مشروع دول مجلس التعاون، الذي تأسس المجلس في 25 مايو عام 1981 في العاصمة السعودية، وكان كل من الشيخ جابر الأحمد الصباح والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من أصحاب فكرة تأسيسه، وقد عاش حتى اللحظة لأكثر من 32 عاماً وصمد أمام العصف الدولي والإقليمي، حتى مع وجود الحزازات الداخلية بين هذه الدولة أو تلك، وعاصر حروباً كبرى وقعت على ضفافه وفي مياهه الإقليمية، وتم غزو واحتلال إحدى دوله ونشبت حرب عالمية شاركت فيها أكثر من ثلاثين دولة لاسترداد سيادتها، وتذكر المعلومات أن مدينة أبو ظبي شهدت زيارة من قبل أمير الكويت جابر الأحمد الصباح عام 1976 للاجتماع مع الشيخ زايد بن سلطان وجرى الحديث عن ضرورة خلق مشروع لتحالفٍ سياسي عسكري، لسد الفراغ الأمني الذي خلّفه انسحاب بريطانيا من مياه الخليج العربي، مع نيل دوله استقلالها، وكان التفكير صحيحاً وسبّاقاً في ذلك، فقد تزامن مع اضطرابات طهران، وشعور قادة الخليج بأن شيئاً ما سيحدث في الضفة الأخرى حيث يتهاوى عرش الشاه، والواقع أن أصحاب الفكرة كانوا ينظرون إلى الغد ومخاطره، فالطبيعة تكره الفراغ كما يقال عادةً، ويمكننا النظر إلى الفراغات التي نشأت بسقوط بغداد وتهتك دور النظام السوري، إذ سرعان ما نشأت أوضاع سياسية خلقتها الظروف وتنازع الإرادات، باتت تشكّل تهديداً ليس فقط على المناطق الحارّة التي نمت على أراضيها، ولكن أيضاً على النطاق الحيوي كله، في ظل التعرية الكبيرة التي تعرّضت لها مؤسسة الجامعة العربية وإثباتها عجزها عن القيام بأي دورٍ خارج الإعلام والعمل الناعم على كل الملفات.

وبالعودة إلى دعوة العرب للعودة إلى جزيرة العرب، أصبح من الضروري لتلك العودة أن تكون على شكل استناد تاريخي لمشروع عربي يخرج من جزيرة العرب هذه المرة، فإن كان من صروف الدهر وتقلبات حركة التاريخ أن تغيب أدوارٌ صنّعت تصنيعاً في مضايق المنطقة خلال الخمسين سنة الماضية، فلعلّ الخدمة التي قدّمها نظام الأسد اليوم، الخدمة أو الورطة كما يشاء من يريد قراءة حسن الطالع السياسي لمستقبل المنطقة، ستدفع قيادات دول الخليج إلى استيلاد لحظة ثانية كلحظة زيارة أمير الكويت عام 1978 للعاصمة أبو ظبي، وسيكون على تلك الدول اليوم أن تكون الحاضن ليس لملايين اللاجئين السوريين، بل لمستقبل هؤلاء على أرضهم، بدلاً عن انتظار التمدّد الإيراني الذي يحيط بالمنظومة الخليجية من شرقها وجنوبها وشمالها وتمكن من التسلّل إلى أراضيها بغير وسيلة.

ونسمع اليوم اعتراضات ورفض، من قبل سلطنة عمان قبل انعقاد القمة الخليجية في الكويت المخصصة لمناقشة العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي، والتطورات في المنطقة، فكما أعلن الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في عمان يوسف بن علوي، خلال مشاركته في منتدى الأمن الإقليمي «حوار المنامة»، من أن بلاده تقف ضدّ هذا المشروع بقوله: «نحن ضد الاتحاد. وموقفنا إيجابي لا سلبي، فنحن ضد الاتحاد، لكننا لن نمنعه»، مضيفاً أنه في حال قررت الدول الخمس الأخرى الأعضاء في المجلس (السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات)، إقامة هذا الاتحاد «سننسحب ببساطة من مجلس التعاون الخليجي»، وتأتي تلك التصريحات للوزير العماني، بعد مناشدة وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية نزار المدني، لدول الخليج إلى أن تكون «يداً واحدة في مواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة»، مؤكداً أن «الدعوة إلى الاتحاد تعبر عن ضرورة أمنية سياسية اقتصادية استراتيجية ملحة»، داعياً الخليج إلى «تغليب المصلحة العامة على النظرة الأحادية.. يجب أن نتوحد لنكون عامل قوة». قد يبدو مربكاً تفسير الموقف العماني الذي بدا مثيرا حين أعلن بن علوي بصريح العبارة «نحن ضد الاتحاد».

هذا الموقف سيطرح جملة من الأسئلة الحادة؟ لماذا تتحفظ سلطنة عمان على قيام الاتحاد وهي التي شاركت في كل خطوات تأسيسه وبخاصة دورها في موضوع العملة الموحدة مثلاً، ومن الأسئلة التي يتوجّب طرحها عن تخوف عمان، هو السؤال عن أي شكل سيكون للاتحاد؟ وهل لذلك صلة بالتخوفات العمانية؟ أم هو موقف استباقي يخشى أن يكون تحديا لبعض الإرادات الدولية التي قد تعتبر الاتحاد ردّاً شكليا أو موضوعياً على ما استجد من علاقات وطيدة بين الولايات المتحدة وإيران؟ والسلطنة صاحبة تاريخ في الاستثناء دون التغريد خارج السرب، فقد حافظت على علاقات وطيدة مع إيران في سنوات الحرب الإيرانية العراقية لكنها شاركت بجدية في تحرير الكويت.

أيُّ وقت هو الوقت المناسب، غير هذا الوقت، لطرح الرؤية العربية المنطلقة من جزيرة العرب، بعد أن طرحت دمشق مشروعها الذي صار على جناحين «بعث الشام» و»بعث العراق»، وطرحت مصر مشروعها في الناصرية، ثم مشروع السادات الذي حوصر وذهب إلى التبريد عبر مرحلة مبارك، ثم جاء مشروع الإسلام السياسي في وصول الإخوان إلى الحكم وزوالهم عنه، وجاء الدور اليوم لتقوم دول الخليج العربي بغير ما كانت تحمله على كاهلها من رعاية مالية ومساعدات ضخمة لدول الطوق، أو النكبات والكوارث هنا أو هناك، أو باستقبال ملايين العرب للمشاركة في النهضة التي عاشتها بعد طفرة النفط.

كاتب سوري

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر