الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

كيمياء البشر

الكيمياء المعقدة أكثر في عالمنا العربي، فهي تلك التي تتفاعل ما بين البشر، فيقال إنه لم يكن هناك كيمياء مشتركة بين ذلك الرئيس ووزير دفاعه فانقلب الأخير عليه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/02/24، العدد: 10553، ص(24)]

يبقى أبناء الذائقة العربية أسرى جمال وفتنة لغتهم التي استطاعت أن تكون أكبر كيان حيّ في الحضارات الحديثة، مستقل عما آلت إليه أوضاع أبنائه. كوكب آخر يعيش فيه الناطق بالعربية ويلوذ به حين تضيق عليه دنياه الاعتيادية الذي ألف أن يغادرها سرعان ما تضغط عليه ولو قليلا إلى كون اللغة الفسيح.

وقد كانت تجري، سنوات الدراسة، مطاردة شيقة بين دروس الكيمياء وبيني. فالكيمياء صعبة، وتحتاج انضباطاً خاصاً، وأنا كنت أسبح في فضاء اللغة العربية. لكن تلك المعادلات كانت تلاحقني من مكان إلى آخر، حتى بتُّ أشعر بالذنب كلما رأيت صدفة شكلاً مسدساً أو مثمناً يذكرني بالكيمياء وقصصها. لكن ومع ذلك فقد واظبت على متابعة أخبار الكيمياء في المجلات العلمية والمواقع الإلكترونية وأفلام السينما حتى هذه الأيام. لما تحمله من تفكير طريف يعكس العمق والسذاجة في الوقت ذاته. لننظر مثلاً إلى الخبر المنشور قبل أيام تحت عنوان “التشكيك بمزاعم إنتاج معدن الهيدروجين” يقول الخبر: زعم باحثون أنهم تمكنوا من صناعة معدن الهيدروجين. وذلك بتعريض غاز الهيدروجين إلى ضغط يفوق الضغط الجوي بـ495 مرة، ما بين ماستين صناعيتين. وتجدر الإشارة، إلى أن بعض العلماء شككوا بصحة قياسات الضغط التي أجراها باحثون آخرون. إضافة إلى التشكيك بإنتاج الهيدروجين المعدني.

ما الذي فهمناه من خبر الهيدروجين؟ أنتجوا أم لم ينتجوا؟ لا أحد يدري، فالكيمياء فاتنة، لا شيء يقيني ولا شيء غير ممكن التحقق ولا شيء غير قابل للشك.

وكثيراً ما تابعت ألغازاً وطرائف قادمة من عالم الكيمياء الغني، فيأتيك سؤال على سبيل المثال يقول لك؛ هل تستطيع أن تشعل النار في الثلج؟ نعم يمكن ذلك إذا تم وضع قطعة من الصوديوم فوق الثلج، ولكن لماذا يحدث الاشتعال؟ إن قطعة الصوديـوم تشتعل عند ملامستها للثلـج، لأن الصوديوم يتفاعـل مع الماء في تفاعل طارد للحرارة، وينتج عن هذا التفاعل هيدروكسيد صوديـوم وهيدروجين والحرارة الناتجة تكفي لإشعال الهيدروجين الناتج.

أما الكيمياء المعقدة أكثر في عالمنا العربي، فهي تلك التي تتفاعل ما بين البشر، فيقال إنه لم يكن هناك كيمياء مشتركة بين ذلك الرئيس ووزير دفاعه فانقلب الأخير عليه. أو لم تنتج الكيمياء علاقات مواطنة صالحة بين مواطني ذلك البلد فاضطروا إلى حرب أهلية، لإحداث تلك الشرارة الاجتماعية.

غير أن أفضل ما تنتجه الكيمياء هو قلب الأمثال اللغوية والقواعد الثابتة في العقل، وبدلاً من أن تقول لابنك “أشعل شمعة خير ألف مرة من أن تلعن الظلام” ستقول له الكيمياء: هل ترغب في إشعال شمعة لا تنطفئ؟ مهما نفخت عليها، ومهما حاولت وحاول الجهلة والظلاميون النفخ عليها، فهي لن تنطفئ. ليس عليك سوى أن تخلط القطن بالملح وبشمع ذائب، إلى درجة التشبع، بعدها ابرم هذا كله ليصبح على شكل شمعة وأشعلها وجرّب.

لكن اللغة مثل الكيمياء، ثرية بالتفاعلات. فالطريقة الوحيدة التي يمكن بها أن تطفئ تلك الشمعة السحرية، هي أن تقطع عنها الأكسجين، وتمنعها من التنفس.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر