الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

السعادة ليست هبة من الآخرين

من أكثر الأشياء التي تؤلم هي سقوط الأقنعة الخادعة التي كنا نظنها وجوها وديعة، لا سيما في علاقات الصداقة الدائمة وطويلة الأمد.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/02/24، العدد: 10553، ص(21)]

تلحّ صديقتي التي تركتها في تونس عندما قررت الانتقال للعيش في لندن، بالسؤال عن صديقاتي الجديدات في كل مناسبة نتحدث فيها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وتحاول استفزازي بشتى الطرق كلما لمحت تعليقا لامرأة على أحد مقالاتي بفيسبوك، لعلها تحصل مني على إجابة ترضي فضولها، وهي تدرك عن كثب أن الصداقة لم تكن يوما بالنسبة إلي مجرد كلمة، أو سلسلة من العلاقات السطحية المتعددة كما هو الشأن بالنسبة إليها، فلطالما اكتفيت بصداقتها حتى بعد أن فصلتنا آلاف الأميال، لأنني أؤمن بأن الصداقة الحقيقية لا تخونها المسافة، بل تختبر الصداقة بالمسافة.

بعد عدة صداقات في المدرسة والجامعة ثم العمل، اكتشفت أن كل ما تبقّى لدي هو شعور جارف بالحنين إلى أخت لم تلدها أمي، ولكنني لم أشعر به سوى بعد الهجرة وبعدي عن صديقتي.

واليوم، عندما ألقي نظرة عامة على الطريقة التي أصبحت تتعامل بها صديقتي معي، وسعيها الدؤوب وراء مصالحها وأهدافها الشخصية، لا أجد في الغالب ما يجعلني أتمسك بها، ولكن لم يكن من السهل علي التخلي عن علاقة جمعتنا عقودا من الزمن، فبالرغم من زلات لسانها الجارحة وأقوالها وأفعالها التي لا تنم عن غبطة، بقدر ما تكشف عن حسد متغلل فيها حتى العظام، لم أستطع تغيير طبيعتي المتسامحة التي عرفتني بها.

أنا مقتنعة تماما بأن الصداقات بين النساء، لا تتسم دائما بالمتانة مثل صداقات الرجال، وعلاقات المرأة بالمرأة تشوبها في الكثير من الأحيان تناقضات وتنافس ومشاعر غيرة ومداهنة، ولهذا قررت مسامحتها وعدم المصادقة بعدها، على الأقل في الوقت الحالي، وهذا ليس انغلاقا على الذات أو عدم انفتاح على الآخر، بل لأني أصبحت أدرك تماما أن الصداقة الحقيقية أصبحت عملة نادرة، في عصر يسبّق فيه الناس مصالحهم الشخصية، على كل المشاعر الإنسانية الجميلة التي تربطهم بغيرهم.

لقد اكتسبت من كثرة خذلان الصديقات حصانة معنوية، وأصبحت قادرة على التعامل مع الشعور بالوحدة، الذي قد يكون أحيانا أشبه بالشعور بالعجز، خاصة عندما نكون في الغربة.

وفي الحقيقة، يوهم الكثير من الناس أنفسهم بأنهم يملكون العديد من الأصدقاء الجيدين في حياتهم، إلى أن يحين الوقت الذي يكتشفون فيه حقيقة أصدقائهم المزيفة، ويدركون أنهم ألد الأعداء وليسوا أصدقاء، فيصابون بصدمة كبيرة.

ومن أكثر الأشياء التي تؤلم هي سقوط الأقنعة الخادعة التي كنا نظنها وجوها وديعة، لا سيما في علاقات الصداقة الدائمة وطويلة الأمد، التي تجعل هويتنا وأحاسيسنا تتداخل مع هوية أصدقائنا فتقوى الرابطة العاطفية معهم، إلى درجة أننا عندما نفقد أحدهم، نشعر وكأننا فقدنا معه جزءا كبيرا من حياتنا.

انتهاء علاقة صداقة طويلة الأمد، قد يشعرنا بخيبة أمل كبيرة، ويؤثر على نفسيتنا، ويجعلنا نتوجس من الآخر وأقل ميلا للتواصل مع الناس، ولكن مهما يكن من أمر علينا أن نتذكر دائما أنه ليست هناك حاجة إلى أن تحدد تلك الصداقات الفاشلة معالم علاقاتنا بمن حولنا.

وأهم شيء يجب أن نحافظ عليه دائما، هو تعاملنا بود مع الناس، بغض النظر عما إذا كانوا يبادلوننا نفس المشاعر أم لا، فضلا عن ذلك لا يجب أن نحدد مقاييس سعادتنا بالاعتماد على ما يشعر به الناس تجاهنا، فالسعادة كما يقول الفيلسوف أرسطو “ليست هبة من الآخرين”.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر