السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

الأسر العربية ودور السينما.. علاقة حب تقطعت أوصالها

  • أشهر قاعات السينما في العواصم العربية تتحول إلى مخازن ومحلات للبقالة، قاتلة ذكريات جميلة لأجيال من الأهل والأصدقاء والأحبة لطالما جمعتهم قاعات الشاشات العملاقة في أوقات رائقة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/03/07، العدد: 10564، ص(21)]

لم تبق غير الصور شاهدة على عصر سينما أطلس العراقية

لا تزال دور السينما في العديد من دول أوروبا محافظة على رونقها وأهميتها ودورها كوسيلة ترفيهية وتثقيفية مهمة، باعتبارها تحتضن موعدا أسبوعيا لم يفقد دلالته الجميلة في العلاقة بين الأزواج والعشاق وأفراد الأسرة، بينما ساهم الانغلاق الاجتماعي والظروف السياسية والحروب والأزمات الاقتصادية في تراجع العلاقة القديمة بين الأسر العربية ودور السينما.

وقضت التكنولوجيا الحديثة على الخط الفاصل بين الفرجة في المنزل وفي دار السينما، حيث أتاحت شاشات التلفزيونات الذكية والعملاقة الفرصة للكثيرين لتحويل غرف معيشتهم إلى أماكن عرض سينمائية.

وتشير تقارير صحافية إلى أن عواصم عربية كبرى مثل بغداد وتونس والجزائر وطرابلس.. تكاد تفتقد كليا إلى دور سينما مقارنة بما كان جاريا في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

وتحولت أشهر دور السينما في العاصمة العراقية بغداد إلى مخازن ومحلات للبقالة، قاتلة بذلك الذكريات الجميلة لأجيال من الأهل والأصدقاء والأحبة والعشاق.

ولا يكاد الوضع يختلف كثيرا في البلاد التونسية التي أصبح فيها عدد قاعات السينما يحسب على الأصابع، بعدما كانت هذه القاعات في السبعينات تقدر بحوالي 150 قاعة.

وتراجع عدد قاعات العرض في محافظات تونس إلى أقل من ثلاثين قاعة، تكاد تنعدم فيها حركة الجمهور.

وليس وضع دور السينما في الجزائر بأحسن حال، فعدد القاعات المغلقة وهي قيد الترميم وحتى المفتوحة منها والخالية من الجمهور خلال أغلب أيام السنة، يؤكد أن علاقة الناس بالسينما قد أصابها الوهن.

ويثير الوضع المتردي للسينما الليبية الحنين لحقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي حين كانت دور السينما ملاذا للاستمتاع والترفيه يقصدها الرجال والنساء وجميع أطياف المجتمع، إلا أن هذا المشهد لم يعد يتكرر اليوم، بعد أن احتلت ملصقات الأفلام القديمة والإعلانات التي تحذر من احتمال انقطاع الكهرباء أو تمنع دخول النساء، جدران الغرفة الصغيرة المؤدية إلى صالة السينما “بارادايز” في العاصمة طرابلس، والوحيدة التي لا تزال وحدها تضيء شاشتها وبشكل متقطع أمام عدد قليل من جمهور الرجال.

عقيل الوسيم: السينما مرآة الروح ولا أستطيع إلا أن أعشق الفن السابع

وتظل المملكة العربية السعودية الدولة العربية الوحيدة التي لا توجد بها دور للسينما لأن أطيافا واسعة من المجتمع السعودي تنظر للسينما على أنها مفسدة للأخلاق ومدمّرة للقيم ومدعاة للاختلاط بين الجنسين.

ويتحسّر الكثيرون اليوم على الزمن الجميل الذي كانت فيه السينما صديقة للعائلة العربية، وتحملهم الذكرى إلى عادة تكاد تنقرض حاليا في أغلب الأوساط الأسرية، وهي ذلك الموعد الأسبوعي أو الشهري الذي كان يخصص من قبل العديد من العائلات للسينما، وكيف كانوا يخرجون بعد نهاية الفيلم للعشاء ويناقشون مضمونه وطبيعة أحداثه والحكمة أو المعرفة التي اكتسبوها منه.

وتقول الصحافية التونسية نجاة الهمامي “السينما بالنسبة إليّ متعة وحياة، وهي ذكريات تجمعني بعائلتي وأصدقائي”، مسترسلة في الحديث عن حقبة لم تفل من ذهنها، بل مازالت ذكراها تتداعى في حاضرها عن أيام الطفولة والمراهقة، حينما كان والداها يقصدان دور السينما في أيام العيد أو المهرجانات لمشاهدة أهم الأفلام، ويكافئانها مع أشقائها في غالب الأحيان بدعوة مميزة لمتابعة فيلم من اختيارهم، وخاصة عندما يبدون تفوقا في الدراسة.

وأشارت في تصريح لـ“العرب”، إلى أن التكنولوجيا قد أتاحت للناس فرصة لمتابعة الأفلام الجديدة وهم في منازلهم، إلا أن ذلك من وجهة نظرها “لا يضاهي متعة مشاهدة الفيلم على الشاشات العملاقة لدور السينما”.

وأضافت “عندما أذهب للسينما أنا وإخوتي برفقة أبنائهم نعيش كل التفاعلات: نضحك ونحزن وننبهر ونتحسر على انتهاء الفيلم، ثم نخرج إلى شارع الحبيب بورقيبة ليلا ونشتري أكلاتنا المفضلة، وكم تكون المتعة مضاعفة حينما نناقش الفيلم ونتذكر المواقف المضحكة فيه أو المبكية، وأحيانا نستهزئ من أختي الصغرى التي تغلبها دموعها أمام أول لقطة حزينة”.

أما ابن بلدها الصحافي محمد سفينة، فأكد أن عمله الصحافي وتحديدا في الشأن الثقافي، جعله مهتما بما يجري على الساحة السينمائية، من أفلام تونسية وأجنبية، وهذا من وجهة نظره جعل أسرته تنخرط أيضا في جملة اهتماماته بالسينما، وتحرص على متابعة الأفلام الجديدة، كلما أتيحت لها الفرصة لذلك.

لكن المشكلة بالنسبة إليه تبقى في ندرة قاعات السينما في تونس وأيضا في عدم برمجة القاعات، التي مازالت فاتحة أبوابها للجمهور لأفلام عالمية جديدة، وتقتصر عروضها في الغالب على الأفلام التونسية.

كما أشار سفينة في تصريحه لـ“العرب” إلى أن الفرجة السينمائية بالنسبة إلى الجمهور التونسي تكاد تكون مرتبطة بالمهرجانات السينمائية، على غرار أيام قرطاج السينمائية.

وفي العراق، الذي تعطلت فيه صناعة السينما تماما، لم يبق غير وقع المهرجانات السينمائية التي يحاول من خلالها البعض من عشاق الفن السابع وهواته، لملمة ومضات سينمائية مبعثرة، لم تعد قادرة على جمع الأسر العراقية التي فرقتها الصراعات الطائفية.

ويقول المطرب العراقي عقيل الوسيم “السينما مرآة الروح ولا أستطيع إلا أن أعشق الفن السابع، لأنه موجه وملهم للفنان، ويمكن أن يوحي لي بعدة أفكار في صلب اهتماماتي الغنائية، وخاصة بالنسبة إلى الكليبات المصوّرة التي تتطلب قدرات تمثيلية معينة”.

وتأسّف الوسيم على حال السينما العراقية اليوم قائلا “منذ فترة طويلة خفت صدى السينما العراقية، والصالات التي فتحتها الشركات الأهلية لا يمكن اصطحاب العائلات إليها”.

أما في مصر، التي تمثل أغزر دول الشرق الأوسط في مجال ‏الإنتاج‏ السينمائي، فتتحكم نوعية الأفلام وثورة التكنولوجيا الرقمية في مشهد ارتياد العائلات لدور السينما.

ويقول المحرر الصحافي المصري أيمن عبدالسميع حسن “لطالما كنت حريصا على متابعة الأفلام في دور السينما عندما كنت طالبا بالجامعة، أما اليوم فالفضائيات والإنترنت أتاحتا لي الفرصة لمشاهدة الأفلام التي أريد وفي أي وقت أختار وبثمن زهيد”.

وأضاف “لدي حنين كبير للسينما المصرية الكلاسيكية وخاصة بتقنية الأبيض والأسود، لأنني أرى فيها عبقرية ربما لم تعد موجودة في صناعة السينما اليوم، لكن ليس هذا ما يمنعني من الذهاب إلى دور السينما، بل مشاغل الحياة”.

ويقول المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو “عندما نحب الحياة نذهب إلى السينما”، لكن هذه المقولة لا تعني شيئا بالنسبة إلى شرائح هامة من المجتمع الجزائري، لم تعد تبدي أي تحمّس للذهاب إلى دور السينما كما كانت في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فالطالب الجزائري محمد إبراهيم يرى أن قرصنة الأفلام ضربت دور السينما في الصميم، بعد أن أتاحت له وللكثيرين فرصة اقتناء عدة أفلام ومشاهدتها على شاشة التلفزيون المسطحة بأقل من ثمن تذكرة السينما.

لكن مهما يكن من أمر، فمن المؤكد أن مساحة المعرفة والمسرة والرفقة الرائعة التي يوفرها الذهاب أسبوعيا أو شهريا إلى السينما بالنسبة إلى أفراد الأسرة، لا يمكن أن توفرها أي وسيلة أخرى مهما كانت بخسة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر