الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

ألف ليلة وليلة

يوم أنتجت الثقافة العربية كتاب ألف ليلة وليلة مجهول المؤلف، كانت تتحدث عن واقع تخييلي مختلط مع الأساطير، للهرب من النظام الصارم الذي فرضه الدين والتقاليد الموروثة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/11، العدد: 9406، ص(24)]

وأنت تقرأ هذه السطور تكون قد مرّت ألف ليلة وليلة على أول هتاف انطلق من دمشق، مناديا "الشعب السوري ما بينذل"، بعد صمت القبور الذي ساد أكثر من خمسين عاما لم تخلُ من انتفاضات ومحاولات احتجاج واستنكار للاستفراد بالحكم وسوم الناس ألوان العذاب والعبودية في عصرٍ نسي سكّانه تلك المعاني من زمن قديم، ولا يوجد اليوم في أي مكان في العام أدوات سيطرة وتحكّم وتعذيب كما يوجد في سوريا، كالكرسي الألماني الذي استقدمته أجهزة نظام الأسد من الثقافة الصناعية النازية أيام أدولف هتلر، ناهيك عن أدوات الشبح وتقليع الأظافر وسياط الكهرباء والفلقة وأخيرا وانسجاما مع الليالي الألف يوجد في سوريا ما يسمى ببساط الريح.

وهذا كلّه حدث ويحدث في واقع أسطوري لا يصدّقه العقل، أراد أن يبقي الشعب السوري خارج الزمن ويعيده إلى أحقاب تلذّذ الإنسان فيها بتدمير أخيه الإنسان، وتفريغ كل شحنات الغضب والحقد في جسد أعزل، متناسيا قيم المروءة وصراع الرجال وأخلاق التبارز، صابّا كل ما يملك من وحشية على رأس طفل أو امرأة أو شاب أو شيخ مقيّد اليدين عاجز عن الرد.

و رغم ما رأته الشعوب العربية والعالم في ألف ليلة وليلة من الغرائب في سوريا، وما لم يخطر لها على بال ولا ورد على مسامع بشر في عالم العولمة والقرية الصغيرة، فإن ذلك لم يستطع تحريك مظاهرات مليونية في عواصم الأرض دفاعا عن الإنسان وكرامته وحريته وسلامته الجسدية، حتى بعد جريمة الكيميائي في الغوطتين.

ويوم أنتجت الثقافة العربية كتاب ألف ليلة وليلة مجهول المؤلف، كانت تتحدث عن واقع تخييلي مختلط مع الأساطير، للهرب من النظام الصارم الذي فرضه الدين والتقاليد الموروثة، ولذا ضمّ الكتاب بين دفتيه حكايات وقصص عن المجون واللهو إلى جوار الحكمة والشعر والفنون والآداب والطرائف، ولكن مخيلة العرب لم تكن تتوقع أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه الخيال في الواقع والواقع في الخيال، ليعيش أصحاب الآداب والفنون في عالم لا يمت للواقعية بصلة، مليء بالشعر والحماسة والتأوّهات والحنين، بينما يفتك سكّان الحياة بواقعية أليمة بكل تلك المعاني ويفترسون القيم والجمال.

ومما روت شهرزاد من أخبار الحمقى في لياليها الألف قصة رجل كان يسير يوما في شوارع بغداد فرأى طابورا من الناس مقيدين بحبل قوي، وهم في شده الضيق والألم، وكانوا في طريقهم إلى السجن، قتقدم الأحمق من أحد الحراس، وقال له: "ما قصة هؤلاء القوم؟" فقال الحارس: "خير يا سيدي"، فقال الأحمق: "إن كان ذلك خيرا فاربطني معهم".

فلا ندري ..لعلّ ما بالسوريين "خير"، ليربط الله معهم بقية الأمم والمسلمين والعرب، ليعمّ الخير والسلام بعد ألف ليلة وليلة من العجب.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر