الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

التوحيد منطلقا للتطرف.. من أدبيات قطب إلى تنظيرات المقدسي

  • التيارات الإرهابية الناشطة في أكثر من فضاء، تنهل جميعها من المعين نفسه، وإذ عرف تقاسم هذه التيارات للأدبيات الجهادية المتداولة، إلا أن فكرة التوحيد، كما تراها، تمثل منطلقا فكريا أساسيا في العمل الجهادي وفي تكفير الآخر، سواء كان مسلما أو غير مسلم. نقطة تقتضي من المؤسسات الإسلامية التنبه لها لدحض وتكذيب عملية هجرة المفهوم التي مارستها هذه التيارات بنقلها التوحيد من القاموس الديني إلى الفضاءات السياسية بالتعسف على شحنه بمضامين حركية يخلو منها عند المدارس الإسلامية التقليدية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(13)]

تحويل مبدأ التوحيد من الديني إلى السياسي أدى إلى شيوع التكفير

تعد مسألة التوحيد لدى الجماعات الجهادية، بمختلف اتجاهاتها، قضية مركزية في مشروعها السياسي واللاهوتي. فقد أولته عناية فائقة حتى غلب عليها واتخذه البعض وصفا للجماعات التي ينتمون إليها، ووضع جنبا إلى جنب مع قضية الجهاد، باعتبار أن الأول طريق إلى الثاني. وما يثير الاستغراب أكثر أن مختلف الجماعات الجهادية تعيد تحرير القول في هذا المفهوم، بالرغم من التراكم الكبير الموجود في التيار الإسلامي المتطرف منذ الستينات من القرن الماضي، بل منذ الأربعينات والخمسينات إذا انطلقنا من المنظر الباكستاني الأول لهذا المفهوم، وهو أبوالأعلى المودودي.

وقد أوجد سيد قطب العناصر الفكرية لمفهوم التوحيد السياسي، التي مهدت لظهور جماعات الجهاد والتكفير في المجتمع المصري، ثم المجتمعات العربية في ما بعد، بإعطاء التوحيد مفهوما حركيا؛ ذلك أن قطبا حاول وضع مرحلة انتقالية بين المجتمع الجاهلي، الذي لا يحقق كلمة التوحيد، وبين الدولة الإسلامية، أطلق عليها تسمية “الجيل القرآني الفريد”، الذي تناط بعهدته تلك المهمة، وقد مثل ظهور جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية وغيرهما من الجماعات المتشددة التي ظهرت في مصر في السبعينات من القرن الماضي، محاولة استجابة لذلك المفهوم الحركي، الممثل في “الجيل الفريد”، الذي سيعمل على تحقيق مفهوم “توحيد الحاكمية” على صعيد الواقع العملي.

السلفية الجهادية أعادت إبراز مفهوم الولاء والبراء في إطار المواجهة التي فتحتها مع الأنظمة المسلمة وغير المسلمة

نجد هذا المفهوم السياسي لقضية التوحيد في إحدى وثائق الجماعة الإسلامية المصرية، هي وثيقة “إله مع الله” التي صدرت عام 1987، فقد صاغت الجماعة تصورها السياسي انطلاقا من مفهوم التوحيد، حيث أرست شكل المجتمع المسلم وفق تركيب ثلاثي “عقيدة واحدة ودين واحد ومنهج واحد”، وبناء عليه “فليس هناك في المجتمع المسلم إلا حزبان، حزب الله المأمور بإقامته، وحزب الشيطان وقيامه ممنوع”.

وفي وثيقة “رسالة الإيمان” لتنظيم الفنية العسكرية المصرية التي كان يقودها صالح سرية، والصادرة عام 1973، يتم التنصيص على أن الإيمان بالوحدانية يقتضي تكفير كل الأنظمة والبلدان الإسلامية التي “اتخذت لها مناهج ونظما وتشريعات غير الكتاب والسنة، فقد كفرت بالله واتخذت من نفسها آلهة وأربابا، فكل من أطاعها مقتنعا بها فهو كافر لأنه اتخذ له ربا سوى الله”.

السلفية الجهادية مثلت نقلة نوعية في التعامل مع مفهوم التوحيد بأقسامه الثلاثة، كما وضعها ابن تيمية، وفي تطويره بحيث يشمل الأبعاد السياسية المرتبطة بمفهومها للجهاد. فقد احتلت نظرية التوحيد لدى السلفيين الجهاديين موقعا مركزيا، باعتبارهم أصل الأصول في مشروعهم السياسي والديني، ولذلك نلاحظ الاهتمام الكبير الذي أولوه لكتابات ابن تيمية المتعلقة بهذا الموضوع من جانب، ولكتاب “التوحيد” لمحمد بن عبدالوهاب، شرحا وتعليقا، حتى إن تلك الشروح والتعاليق تكاد تصل إلى المئات من الكتب والدراسات والمقالات والشروحات والحواشي.

ونلاحظ أن السلفية الجهادية، التي ظهرت في نهاية القرن الماضي، ترجمت نوعا من الاستمرارية لهذا الفكر، مع نقله من السياقات المحلية التي صيغ فيها، إلى سياق دولي؛ وهكذا أصبح مفهوم الولاء والبراء ركنا رئيسا في مفهوم التوحيد لدى هذه الجماعات. وهو ركن كان حاضرا في الأدبيات الجهادية السابقة، لكن السلفية الجهادية أعادت إبرازه في إطار المواجهة الدولية التي فتحتها مع مختلف الأنظمة المسلمة وغير المسلمة، من أجل تأكيد المخالفة بين “أهل التوحيد” – التسمية التي صارت تلك الجماعات تطلقها على نفسها- و”أهل الشرك”، التي صارت تطلقها على باقي المختلفين عنها. ولذلك ليس غريبا أن نلاحظ أن هناك العديد من الجماعات المتشددة المسلحة باتت تحمل أسماء تظهر فيها عبارة التوحيد، كعَلَم على مرجعيتها، مثل “جماعة التوحيد والجهاد” التي ظهرت في العراق في منتصف التسعينات من القرن الماضي على يد أبي مصعب الزرقاوي، وتبعتها جماعات أخرى في عدد من المناطق العربية والإسلامية، أخذت لها نفس الاسم والمنطلق الفكري.

السلفية الجهادية مثلت نقلة نوعية في التعامل مع مفهوم التوحيد بأقسامه الثلاثة، كما وضعها ابن تيمية، وفي تطويره بحيث يشمل الأبعاد السياسية المرتبطة بمفهومها للجهاد

يعد عاصم طاهر البرقاوي المعروف بـ”أبو محمد المقدسي”، منظر السلفية الجهادية الأردني، أحد أبرز المنظرين الذين عملوا على منح مفهوم التوحيد عمقا سياسيا. ففي كتابه المعروف “ملة إبراهيم” يذهب المقدسي إلى أن جميع رسالات الأنبياء كانت تدور حول أمرين: الموالاة، والمعاداة، وأن إظهار البغض للكفار ومحاربتهم ومعاداتهم هي ملّة إبراهيم، أبي الأنبياء.

وقد اعتبر المقدسي أن هدف الجماعات السلفية الجهادية هو “دعوة الناس إلى التوحيد”، و”تجريد التوحيد”، وتحقيق حاكميته في المجتمع؛ إذ يقول “ونحن نسعى جاهدين إلى تقريب وشرح هذا التوحيد للناس لإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ونركز بهذا المجال على نواقض التوحيد المعاصرة، مثل أن يصرف التشريع لغير الله عز وجل، والتحاكم إلى القوانين الوضعية وتعطيل حكم الله، وهذا ما يطلق عليه الحاكمية في مصطلحات العصر، والحاكمية جزء أساسي من التوحيد”، ويظهر من خلال هذه الفقرة استبطان مفاهيم كل من المودودي وسيد قطب، التي صيغت قبل ذلك بأزيد من نصف قرن.

وقد أنشأ المقدسي موقعا أطلق عليه “منبر التوحيد والجهاد” في منتصف تسعينات القرن العشرين، ليكون بمثابة مصدر للتكوين الأيديولوجي على مفاهيم التوحيد السياسية وأدبيات الجهاد، ومنبرا لمختلف الحركات الجهادية المتشددة.

تحرص الجماعات السلفية الجهادية على تحويل مبدأ التوحيد إلى عامل للتمزيق بين طوائف المسلمين، عبر الإلحاح على المضامين السياسية التي حاولت شحنه بها، خلافا للمدارس الكلامية الإسلامية التقليدية التي ارتبط مبحث التوحيد بها، في نطاقه الديني المحدود، بعيدا عن الصراعات حول الحكم والسلطة السياسية.

وتذهب هذه الجماعات إلى حد جعل ذلك المبدأ خصما للتعايش بين الشعوب والأديان، عوضا عن أن يكون عنصر لقاء وحوار، وفي ذلك يقول ناصر الفهد، أحد منظري هذا التيار “فهذا كتاب ربنا وهذا ما ينطق به، وهذا أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، قائمة على الولاء والبراء، والمخالفة بين سبيل المؤمنين وسبيل الكافرين في جميع الأحكام، لا على السلام والمحبة والتعايش”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر