الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

ضميرهم في غيبوبة

ما قيمة المال إذا لم يرسم بسمة على شفاه طفل مريض أو جائع، أو يمسح دمعة شيخ أعياه الدهر، أو يعاضد امرأة سواعدها كلت من ضيم الفقر.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/03/24، العدد: 10581، ص(21)]

تبدو مقولة إن العرب كرماء ومعطاؤون بطبعهم متفائلة إلى حد ما بالمقارنة مع ما أصبح سائدا في أغلب مجتمعاتنا التي غلب عليها عدم المبالاة والانكفاء على الذات، وبات العمل الإنساني من آخر اهتمامات الناس.

ففي الوقت الذي تسعى فيه المنظمات الخيرية الأجنبية إلى توصيل الغذاء والمساعدات الطبية والإنسانية التي اشترتها بتبرعات شعوبها إلى أطفال البلدان التي تعاني من المجاعة والحروب، يحجم العديد من العرب وخاصة منهم الأغنياء عن التبرع ولو بنزر قليل من ثرواتهم التي تتراكم يوميا في البنوك.

إنه لأمر مخزٍ أن يبادر الأجانب بتقديم العون للاجئين من البلدان العربية الذين لا تربطهم علاقة قرابة أو صداقة، بل هم بالنسبة إليهم ليسوا سوى محض غرباء، ورغم ذلك يوفرون لهم المأوى والمأكل والملبس، ويعاملونهم أحيانا على أنهم جزءٌ من الأسرة، فيما ندير نحن ظهورنا إليهم وتغلق بعض حكوماتنا حدودها عليهم.

يبدو أن هناك الكثير مما يجب علينا تعلّمه عن كرم الضيافة والإحساس بالواجب والمسؤولية من الشعوب الغربية.

عندما أشاهد ما تبثه هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” من حملات إعلانية يشارك فيها المشاهير، وكيف يحاولون استعطاف الناس من أجل التبرع لمن هم من لحمنا ودمنا، ويعرضون مشاهد تدمي القلوب عن مأساة الأطفال من أقصى العالم العربي شرقا إلى أقصاه غربا، يعيشون فصولا من المعاناة وسط الصراعات المسلحة والمجاعة وفي مدن تقصف يوميا، ويقتلون ويهجرون ويسجنون ويعذبون.. وفي أفضل الأحوال يقيمون في ملاجئ لا توفر لهم أبسط حقوقهم، أتساءل أين قيم العروبة التي ملأت الكتب وأسالت الكثير من الحبر، في ظل ما يشهده الملايين من الأطفال من تحطيم لحاضرهم ومستقبلهم وسط الركام والدمار والنزاعات المسلحة التي لا ذنب لهم فيها.

لن أعود إلى استعراض أرقام المنظمات الحقوقية للوقوف عما يعانيه هؤلاء الضحايا الصامتون في البيئة الصعبة التي يعيشون فيها، فوجع الطفولة في مجتمعاتنا أكبر بكثير من أن تختزله الشروحات والأرقام وسيل الكلمات.

وتكفي الصور التي تعرضها وكالات الأنباء يوميا، والتي تمتزج فيها دموع الطفولة بدمائها، لتفضح وتكشف النزعات السلبية تجاه بعضنا البعض، ولتؤكد أن ضمير بعضهم دخل في غيبوبة إلى أجل غير مسمى، باستثناء بعض الأيادي البيضاء، كالشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي الذي يمثل رمزا للحس الإنساني وللكرم والعطاء، فهو لا يدخر جهدا ولا مالا، لإغاثة الفقراء والمحتاجين في جميع المناسبات والأزمات، وكانت له الكثير من المواقف الإنسانية المشرفة داخل دولة الإمارات وخارجها لا يمكن حصرها.

وتكفي الإشادة بالمبادرة التي قام بها لاستئصال مرض شلل الأطفال في العالم وتبرعه بـ120 مليون دولار من أجل توفير بيئة آمنة للأطفال بعيدا عن الأمراض.

ألا يجدر برجال المال والأعمال والأثرياء العرب الاقتداء بمبادرات الشيخ محمد بن زايد لإشاعة العمل الخيري ومساعدة المحتاجين؟

ما قيمة المال إذا لم يرسم بسمة على شفاه طفل مريض أو جائع، أو يمسح دمعة شيخ أعياه الدهر، أو يعاضد امرأة سواعدها كلت من ضيم الفقر. لست هنا لمحاسبة أحد، ولكني أبحث عن نبض إنساني مازال حيا لم يمت مع جملة الأموات الذين رحلوا من الدنيا ولم يحملوا معهم لا مالا ولا جاها ولا سلطة.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر