الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الدستور الليبي والمصير المشؤوم

أطلق اليوم نداء استغاثة وتوسل ورجاء واستعطاف لأهل القانون في بلادي، ولأصحاب المشورة والرأي، أن يتكاتفوا ويفككوا الألغام المزروعة حول عملية الاستفتاء على الدستور وإقراره.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/04/24، العدد: 10612، ص(7)]

تحدثت في مقالي السابق "ألغام حول الدستور" على صحيفة "العرب" عن مخاوف تدعمها تجارب سابقة وشواهد حاضرة تجعلنا ندق وبكل قوة وجهد أجراس الإنذار كي لا يكون مصير الإستفتاء على الدستور مشؤوما كما انتهى له مصير مجلس النواب وقبله المؤتمر الوطني العام ولاحقا لا يزال اتفاق الصخيرات يعيش بإنعاش المجتمع الدولي له، بعد أن تم الإيقاع بالاتفاق في ذات الحفرة.

سأبدأ مقالي اليوم من تعليق للأستاذة الخبيرة القانونية عزة المقهور، فهي بالإضافة إلى اشتغالها بالقانون قد خبرت ألاعيب السياسة والساسة، على المستويين المحلي والدولي، كما أن تجربتها مع لجنة فبراير التي مهدت لانتخابات مجلس النواب من خلال خارطة طريق كان يؤمل منها أن تنهي مرحلة تعثر أداء السلطة بشقيها التشريعي والتنفيذي وأفضت إلى إقرار عملية انتخاب مجلس النواب، إلا أننا وجدنا أنفسنا “كالهارب من الغولة ليقع في سلال القلوب”، وكالمستجير من الرمضاء بالنار، فإذ بالبلاد على شفا جرف انفصال، والناس تتضور جوعا وتنتحر كمدا وتتنفس قهرا.

علقت الأستاذة عزة قائلة “القانون ليس موضوعا فحسب، بل إجراءات أيضا؛ لهذا علينا الانتباه للإجراءات القانونية”. هذا التعليق المكثف هو بيت القصيد، فمنذ بدء المرحلة الانتقالية الأولى ونحن نعاني ويلات إهمال الإجراءات القانونية، حيث يتم تفخيخ كل مشروع ومبادرة يعتقد الناس أنهما ستنهيان معاناتهم بألغام الإجراءات القانونية والحالة الشرعية والمشروعية، لنستيقظ على حقيقة أن ما تم ما هو إلا تعميق الحفرة التي نعيش في قعرها، وبكل أسى تم ذلك بأيدينا ومن أموالنا!

منذ بدء المرحلة الإنتقالية الأولى ونحن نعاني ويلات إهمال الإجراءات القانونية، حيث يتم تفخيخ كل مشروع ومبادرة يعتقد الناس أنهما ستنهيان معاناتهم

أطلق اليوم نداء استغاثة وتوسل ورجاء واستعطاف لأهل القانون في بلادي، ولأصحاب المشورة والرأي، أن يتكاتفوا ويفككوا الألغام المزروعة حول عملية الاستفتاء على الدستور وإقراره، وهنا أنا لا أتحدث عن مواد الدستور، ففي رأيي مهما كانت هذه المواد سيئة، ولي تحفظات على عدد منها، إلا أنها أفضل مرحليا من لا شيء، شريطة أن تنص بوضوح على أن هذا الدستور المرتقب مؤقت بخمس سنوات أو حتى عشر، تجرى إعادة كتابته في نهاية هذه المدة حيث يكون “كما نأمل” قد استقر الوضع بما يسمح للناس أن تفكر بهدوء وتناقش بأريحية أكبر.

ما أطلبه من المنافحين والمدافعين عن المسودة ويريدون تمريرها أن يضعوا أنفسهم مكان خصومهم ولا يستهينوا بالأمر بذريعة “الشعب مصدر السلطات”، فهذه عبارة لم تغن عنا شيئا ولم تمنع عنا حربا، ولم تنه معاناتنا تهجيرا وتجويعا وقتلا.

نعم ضعوا أنفسكم في موضع الخصوم، وتمعنوا في الثغرات التي يمكنكم أن تستغلوها لتطيحوا بالدستور، وأنتم تعلمون أن القوة تحتاج إلى غطاء ولو كان شفافا رقيقا قانوني وأخلاقي كي تتم تعبئة الأنصار لخوض حروب الفجار.

ألم يقم قانونيون ومدافعون عن الحقوق بالطعن في انتخابات مجلس النواب، مستغلين ثغرة في إجراءات تمرير خارطة فبراير، وليصدر القضاء حكمه، ولندخل دوامة التأويلات التي لم تجلب لنا سوى الويلات، “كل واحد شيطانه في جيبه”، حتى المجتمع الدولي اكتفى وقتها بالقول “سأدرس قرار المحكمة العليا” ليمر أسبوع فشهر فسنة فاثنتان، ولم يعلق هذا المجتمع الدولي حتى الآن، ولم يهتم بالتعليق، وإنما قام بتغيير مسار الحوار فبعد أن كان بين أعضاء مجلس النواب من قاطع منهم ومن انضم “لتوحيده”، تحول بعد حكم المحكمة إلى حوار بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، الذي عاد للمشهد تحت اسم مجلس الدولة!

دعوني أسألكم هذا السؤال، وأشارككم خارطة الألغام حول إجابته التي تبدو للوهلة الأولى سهلة!من هي الجهة التي ستدعو إلى إجراء الاستفتاء وإقرار النتيجة؟

إذا قلت مجلس النواب، سيتم تفجير لغم أن مجلس النواب “غير شرعي” لأنه بغض النظر عن حكم المحكمة بشأنه، فقد انتهت مدته ولا يحق له التمديد لنفسه وفقا للنص الذي أستند عليه في إجراء الانتخاب الذي يقول إن تمديد المدة يكون “باستفتاء الشعب”، وهذا لم يتم، كما أن مجلس النواب لم يخاطب هيئة الانتخابات ليسألها عن إمكانية الاستفتاء ليستند على رأيها ومتوقعا وقتها بسبب الحروب المشتعلة أن يكون “لا” في اللجوء للتمديد لنفسه بذريعة الحاجة الملحة!

كما أن مجلس النواب لم يُضمن اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري كما ينص الاتفاق نفسه الذي رعاه المجتمع الدولي وبالتالي هو غير شرعي، فمستند بقائه اليوم هو التمديد لنفسه فقط، وبإرادة منفردة.

وإذا قلت سنسند المهمة لهيئة صياغة الدستور، فاللغم التالي جاهز وهو أسرع انفجارا من سابقه، فالهيئة انتهت مدتها بنص قانون انتخابها، بل حتى الاتفاق السياسي حدد لها إطارا زمنيا تجاوزته، وبالتالي لا شرعية ولا مشروعية لها، هي أيضا مددت لنفسها دون أن تهتم بالإجراءات.

وسيتمسك كل طرف بما تمسك به المؤتمر الوطني العام، نحن منتخبون من الشعب، ونملك قرار أنفسنا، ولن نسلم الأمانة إلا إلى جهة منتخبة تم انتخابها وفقا للشرعية وبشكل قانوني سليم!

وإذا قلت سيتولى المهمة المجلس الرئاسي، فأم القنابل جاهزة للتفجير وبسهولة، هذا المجلس غير شرعي لأن الاتفاق السياسي لم يضمن في الإعلان الدستوري، كما أن موافقة من وافق من أعضاء مجلس النواب على الاتفاق كانت مشروطة بشروط لم تنفذ، وبالتالي فهي والعدم سواء بسواء، وسيخرجون لك أحكاما بأن المجلس “غير ذي صفة”.

هذه عينة فقط من الألغام المنتظرة، وهذا سيناريو مكتوب، بإمكاننا أن نغيره اليوم ونجنب أنفسنا وأهلنا وبلادنا دوامة هي للإعصار أقرب بوضع سيناريو يتخلص من كل هذه الثغرات وسواها، فقط رجائي من كل قانوني وحقوقي وسياسي أن يتخلص من الثقة الزائدة، ويضع نفسه موضع خصمه ويفكر بنفس طريقته، ليتمكن من تخليص البلاد والعباد من شر أراه قريبا ويرونه مستحيلا.

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

:: اختيارات المحرر