الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

دوكومو والسمكة والحوض

جلّ ما تعلّمه البشر من السمك، ليس النمو في حوض كبير، بل تطبيق المثل القائل 'السمكة التي تبقي فمها مغلقا، لا يصطادها أحد'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/04/28، العدد: 10616، ص(24)]

قيل في الحكمة إن السمكة لا تنمو إذا وضعتها في حوض صغير، وإن زدت من حجم الحوض وجدت أن جسدها يكبر وفقا للحجم الجديد. كذلك هو الحال مع البشر. فإن وضع الإنسان نفسه في هوية ضيقة سرعان ما يجد أنه محصور داخل جدرانها، وتبقى نفسه حبيسة فيها. وإن وسع الحوض ـ الهوية، وجد أنه يسبح في عالم رحب بزعانف هائلة. ولكن، لأن أحدا لم يقل إن قنّ الدجاج الصغير أو الكبير سيؤثر على حجم الدجاجة، فقد ذهب البشر إلى خيار الدواجن بدلا من السمك.

التكنولوجيا أصبحت هي الصورة الأمثل لتطور أو تدهور، الفكر الإنساني. وبدلا من سحرنا الأزلي المسمى "العقل"، الذي مثّله "المكعّب" سيد الكمال في الهندسة، جاءت الكرة اليوم، لتنتج ما أطلق عليه العلماء "الصورة الكروية".

الغرض الأساسي من ابتكار الصورة الكروية هو الإعلان، وليس الفلسفة ولا الحضارة. ولذلك فإن طائرة "دوكومو" اليابانية يمكنها أن تصنع المعجزات. وهي من نوع الدرون، التي تحلق في السماء، وتلتقط الصور وترسل المعلومات عن الحدث الذي تصوّره. ويزن الجهاز بأكمله بما في ذلك الطائرة دون طيار 3.4 من الكليوغرام، وتهدف الشركة المصنّعة إلى تسويقها مع نهاية العام 2019.

الدرون لا تلتقط الصور وحسب، بل إنها باتت، كما هو معلوم، من أشهر أسلحة القرن الحادي والعشرين، وهي التي تلاحق الهدف المتحرك لتصوّره وتدمّره، وقد شهدنا إنجازاتها في العراق وسوريا مؤخرا، ضد المتطرفين الذين فتحوا الباب أمام ما سمّي بمحكمة الميدان، فيقرر واحدهم محاسبة المجتمع بتفجيره دون نقاش ولا سؤال ولا جواب، لينجرّ خلفهم وحش التكنولوجيا، بعد أن انهمكت الحضارة الإنسانية القديمة، قبل الدرون، طويلا في إنتاج قوانين العدالة والمحاكمات والدفاع والاتهام.

وقد يتفلسف عليك مثقف مؤدلجٌ، ديني أو لا ديني، هنا أو هناك، من أنحاء العالم، حول كل شيء، لكنه يصمت تماما أمام التدمير اليومي لأعظم منتج بشري، القانون.

إذ بقدر ما يتوجب علينا محاربة التطرف وإرهابه، يتوجب أيضا أن نتمسك بقيم الحضارة، لأنها مثل قواعد الفيزياء والرياضيات، غير قابلة للخرق، وإلا ترتبت، جرّاء ذلك، شروخ هائلة في سدود الحضارة التي تحمينا من الطوفان.

ويبدو أن جلّ ما تعلّمه البشر من السمك، ليس النمو في حوض كبير، بل تطبيق المثل القائل "السمكة التي تبقي فمها مغلقا، لا يصطادها أحد".

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر