الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

دم الشهداء.. لن يذهب هباء

أي روح تسكن هذا الشهيد وهو يطرب بأننا تركنا تلاميذ دون دراسة، ومستشفيات دون طب، ومنابر دينية وإعلامية تبث الكراهية والحقد بين الناس، ومواطن دون وطن.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/04/29، العدد: 10617، ص(9)]

هذه العبارة سرت فيما يعرف ببلدان الربيع العربي سريان النار في الهشيم، وأصبحت شعارا وثابتا لا يمكن التنازل عنه، وصارت بوصلة تقود المشهد، ولازمة في كل كلمة وخطاب ومحفل، ويتم تصنيف كل من يحاول الاقتراب منها ويثير أسئلة حول مضمونها بأنه خائن لدماء الشهداء وتضحيات الشرفاء، ويستحق الموت سحلا وسحقا وفاء لتلك الدماء.

تعارف الناس اليوم على أن لقب الشهيد يطلق عادة على من قدم روحه ودمه وضحى بنفسه لأجل تحقيق هدف يجله قومه، ومثل عليا تُرضي الله سبحانه وتعالى، لهذا من قُتل لأجل أهداف لا تمثل قيما عليا لا ينال هذا اللقب؛ فما هو الهدف الذي نجلّه في بلداننا وعلى أساسها نعتبر من مات لأجله شهيدا؟ وما هي القيم العليا التي حثنا الله سبحانه وتعالى على الالتزام بها لنصف من قُتل لأجل إعلائها شهيدا؟

وبصيغة أخرى نسأل أنفسنا سؤالا بسيطا؛ لماذا استشهد الشهيد؟ ولأي شيء دفع دمه وروحه ثمنا باهظا بنفس راضية؟ هل ضحى الشهيد لأجل أن يثأر رفاقه لدمه ويستمر القتال “اقتلني ونقتلك”.

وهل قدم دمه كي يغذّي الكره بين أبناء الشعب الواحد بل بين أبناء القبيلة الواحدة والعائلة الواحدة؟ هل قدم ما قدم من تضحيات كي تنتشر المعتقلات السرية ويخطف الناس ويسجنون على الهوية، فلا تسلم امرأة فضلا عن كهل وطفل من هذا المصير؟ هل ضحى كي تصبح تضحيته منّة يتم تحويلها إلى مكاسب مادية ومناصب ومزايا؟

هل ضحى الشهيد ليقيم دولة القانون والعدل والمواطنة، أم ضحى كي يحصد باسمه مكاسب ومغانم ومزايا غير مستحقة

هل فعل هذا الفعل النبيل كي نتفنّن في تعذيب بعضنا البعض وننتهك حرمات بعضنا البعض، فنصبح ونمسي على جثث ملقاة في القمامة، وإعدامات خارج القانون، وقنابل تسقط على رؤوس الآمنين في بيوتهم، ومطالبات بفدية مالية لتحرير فلان وعلان من الذين تم خطفهم على الهوية.

هل القيم العليا التي يرضى عنها الله تعالى وترضيه تتمثل في أخذ الحق خارج ساحات القضاء، فنكون نحن القضاة والجلادون في نفس الوقت.

هل الله سبحانه وتعالى يرضيه توريد حاويات فارغة، ويثيب من يهرب الوقود والسلع التموينية ويتلاعب بأسعار الدولار.

هذا يقودني لأسأل ما هو المطلوب منا كي نحقق هذا الشعار التعبوي “دم الشهداء ما يميش هباء”؟ هل الدعوة للمصالحة الوطنية وعدم استيفاء الحق بالذات تتناقض مع هذا الشعار، وبالتالي تعتبر كل خطوة نحو الصلح وطي صفحة الماضي “خيانة لدماء الشهداء”.

هل المناداة بأن يكون منح المناصب وفقا للكفاءات بعيدا عن الولاءات “جريمة في حق الشهداء ونكران لتضحياتهم”، وهل صفة أخ شهيد وأب شهيد وابن شهيد وقريب شهيد كافية لمنح منصب يحتاج مهارات لا يملكها هذا الأخ والأب والابن والقريب، وإذا منح المنصب لسواه ممّن يملك المقدرة نكون بعنا دم الشهيد.

هل إقرار قانون العفو العام وتجميد المطالبة بالحقوق الشخصية خمس سنوات تكون الدولة التقطت فيها أنفاسها واستعادت بعضا من عافيتها يعدان خطيئة لا تغتفر.

هل دفع الشهيد روحه كي نهجر مدينة ثأرا له، ونستحوذ على المناصب رغم عدم أهليتنا بها تكريما له، وهل عندما نقبض على الأبرياء ونأسرهم ونضعهم في معتقلات سرية من دون محاكمة وخارج إطار القانون نكون بذلك أوفينا حق الشهيد وتكون روحه قد سكنت.

وبصيغة أخرى، هل ضحى الشهيد ليقيم دولة القانون والعدل والمواطنة، أم ضحى كي يُحصد باسمه مكاسب ومغانم ومزايا غير مستحقة. هل نعتقد فعلا أن روح شهيدنا لن ترتاح إلا بالمزيد من الدماء والدمار، وأنها ستكون مطمئنة مستبشرة وهي ترى أناسا يتم تشريدهم وتهجيرهم وآخرين يلتحفون عتبات المصارف ليلا ويقفون في طوابير مهينة نهارا انتظارا لدنانير معدودة هي للإحسان والصدقة أقرب من الحق والامتلاك.

أي روح تسكن هذا الشهيد وهو يطرب بأننا تركنا تلاميذ دون دراسة، ومستشفيات دون طب، ومنابر دينية وإعلامية تبث الكراهية والحقد بين الناس، ومواطن دون وطن.

أتعرفون ماذا فعلنا بشهدائنا؟

لقد حوّلناهم إلى أرواح شريرة، إذا حلت في مكان نشرت فيه الرعب والخوف والقهر والدمار.

يدعون الناس إلى الموت لأجل الموت باسم الثأر ولا شيء غير الثأر؛ وبدلا من أن تروي دماؤهم شجرة الحرية والمواطنة والقانون ليتفيأ ظلالها كافة أفراد الشعب جميعا، جعلنا منهم تعويذة حرب عبثية قذرة يحصد المتاجرون بدمائهم مكاسب ومغانم ومناصب، وفي ذات الوقت لا تنال أسرة الشهيد الصغيرة سوى شهادة تقدير أمام الكاميرات عندما يراد توظيفهم في سوق النخاسة السياسي.

متى نعي أن الوفاء لدماء الشهداء يكون بإقامة الدولة على أسس من العدل والقانون وقيم المواطنة، لا فضل لمواطن على مواطن بسبب عرق أو قبيلة، كلهم سواسية أمام القانون، لهم حقوق وعليهم واجبات، والكفاءة هي معيار المفاضلة والتضحية معيار التكريم.

متى نتوقف عن استغلال هذه الدماء الزكية لتحقيق مآرب دنية دنيوية، ونحترم هذه التضحيات الغالية، فلا أسمى من أن يضحي المرء بروحه ونفسه كي ينعم وطنه بالاستقرار ويعيش أهله مطمئنون آمنون مصونة كرامتهم، محفوظة مكانتهم، مضمونة حقوقهم، لا يمنّ عليهم أحد بحق ولا يقهرهم أحد بظلم.

إن دماء الشهداء ذهبت هباء يوم استبدلنا العدل بالظلم وجعلنا المغالبة هي المعيار لنيل ما نعتقد أنه حقوق.

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

فتحي بن عيسى

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر