الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

عواد صالح العواد هل يصبح إعلام السعودية الرسمي بمستوى إعلامها الخاص

حالة التململ من الإعلام المحلي السعودي، من قبل الإعلاميين السعوديين أنفسهم، أصبحت ظاهرة واضحة للعيان وبات من يحاول التغطية عليها كمن يحاول ستر الشمس بالغربال.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/04/30، العدد: 10618، ص(7)]

وزير الثقافة والإعلام الجديد والمهمة الصعبة بين السياسة والترفيه

برلين - من بين حزمة الأوامر الملكية الأخيرة التي أصدرها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، جاء الأمر الملكي بتعيين عواد بن صالح العواد وزيراً للثقافة والإعلام بعد إعفاء سلفه عادل الطريفي.

ويأتي تعيين وزير جديد للإعلام بينما تخوض الرياض أكثر من حرب على أكثر من جبهة، وسط تغييرات بنيوية بدأت تطرأ على أداء مؤسساتها فرضتها الضرورة وأهمية مواكبة العصر واللحاق بالتطور.

ويبدو والحال هكذا، أن الحديث عن سيرة سابقة لأي مسؤول جديد، ليس أهم من الحديث عما يجب على ذلك المسؤول أن يفعله اليوم، وعن الجديد الذي يجدر به تقديمه، وإلا باتت المهمة مثلها مثل غيرها من التعيينات السابقة، مجرد تكليف إداري يبدأ وينتهي بالشكر على الثقة.

غير أن أبعاد شخصية العواد تبدو لافتة، فهو قادم من عالم آخر مختلف عن عالم الثقافة والإعلام، بالإشارة إلى دراسته واهتماماته والمواقع التي شغلها قبل أن يتولى حقيبته الوزارية الجديدة. فبعد أن ولد في الرياض في أبريل عام 1972، درس في مدارس السعودية وحصل على البكالوريوس من كلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود بالعاصمة الرياض بداية التسعينات من القرن الماضي، قبل أن ينال درجة الماجستير في العمليات المصرفية من جامعة بوسطن عام 1996، والدكتوراه في أنظمة الأسواق المالية من جامعة وورك ببريطانيا في العام 2000.

رجال الدولة بدلا من رجال الإعلام

علاقة العواد مع العمل الحكومي تعود إلى مؤسسة النقد السعودي، إذ تولى فيها موقع مدير الدراسات المالية والرقابة المصرفية في المعهد المصرفي. ولم يلبث أن صدر أمر بتعيين العواد مستشاراً خاصاً في ديوان أمير الرياض بدءاً من العام 2010. لتتوالى المواقع الهامة والحساسة التي أوكلت إليه، فقد كان نائبا لمحافظ الهيئة العامة للاستثمار وكان رئيسا في مركز التنافسية الوطني.

وعمل العواد نائبا لرئيس اللجنة السعودية السويسرية المشتركة ونائبا لرئيس اللجنة السعودية الروسية المشتركة. ولوحظ وجوده كعضو في عدة مجالس ولجان ومحاكم من أبرزها مجلس حماية المنافسة ومحكمة الاستثمار العربية التابعة للجامعة العربية، واللجنة التأسيسية لمجلس التنافسية العالمي ومجلس إدارة مركز الرياض للتنافسية واللجنة الاقتصادية للحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، ولجنة تنمية الاستثمار التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لدول الشرق الأوسط أفريقيا ومجلس التجارة والاستثمار السعودي الأميركي. وفي شهر أكتوبر من العام 2015 صدر أمر ملكي بتعيين العواد سفيرا للسعودية لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية.

وزير الثقافة والإعلام الجديد له وجه سياسي يمثل وجه بلاده، وله دور يقوم به كوزير الخارجية، لكنه في النهاية، ليس وزيراً للخارجية. بل يحتاج إلى أن يكون قريباً من القيادة، ولعل هذا يتوافر لدى العواد، إلا أن الوزير الجديد يحتاج أيضاً إلى الجلوس على مكتبه، والنظر عن كثب في طبيعة ما لديه من ملفات ومعطيات وليسير مهام وزارته ويرسم لها الخطط ويشرف على تنفيذها

ويبدو واضحاً أن الأمر الملكي باختيار العواد لقيادة الثقافة والإعلام لم يكن دون تأنٍ كبير، فليس من غير دلالة كون الرجل يأتي من منطقة رجال الدولة، والكفاءات الإدارية، أكثر من كونه من ذوي الخبرات في مجالي الثقافة والإعلام. لتبرز خبرات العواد وانفتاحه على العالم عوامل هامة تؤثر على كيفية نظره إلى الأمور.

ولعل هذا الجانب، يعطي إشارة على بداية تعاطي الرياض مع ملف الإعلام والثقافة على أنه مهمة جدية، لا مجرد وزارة من بين الوزارات، في ظل وجود تحديات كبيرة، سواء على مستوى الوضع الداخلي ومعالجة التطرف والإرهاب، أو تنوير المجتمع والسير به نحو خيارات متقدمة دون إفلات زمام الوضع السعودي الخاص، والمتصل بضرورة بقائها دولة محافظة، لما يفرضه ذلك موقعها الجغرافي كجزيرة للعرب وكموئل للديار المقدسة لمسلمي العالم، بحكم وجود الحرم المكي والمدني على أراضيها.

ولكن ما هو المطلوب اليوم من وزير الثقافة والإعلام السعودي؟ وهل سيكون قادراً على النجاح لاعتبارات عديدة، ليس أقلها مواجهته لمراكز القوى التي تتحكم بمهماته لبقيت يده مكبلة كما أيدي أسلافه من وزراء الإعلام والثقافة.

إعلام المواجهة

يجد الوزير الجديد أن بلاده تواجه إعلاماً خارجياً معادياً بشكل كبير، في جغرافيا واسعة، تبدأ من حدودها الجنوبية مع الحوثيين، وتمتد إلى الضفة الأخرى للخليج العربي حيث إيران، وصولاً إلى الحليف الأكبر حيث الولايات المتحدة التي غالباً ما يتناول إعلامها ومؤسساتها الرياض بالنقد بسبب الأوضاع الداخلية وملف المرأة والتطرف الديني.

ولم تسلم المملكة حتى من إعلام الدول الشقيقة كمصر على خلفية قضية الجزيرتين، بعد عدة حملات ضد سياسة السعودية وضد الملك شخصياً، البعض منها كان منفلتاً لدرجة تستوقف المراقبين، ولتصبح مهمة العواد اليوم مهمة حرب ومواجهة وحكمة، أكثر من مهمة استرخاء وتطوير.

في خريف العام 2016 كتب الإعلامي السعودي رمضان جريدي العنزي في جريدة الجزيرة السعودية الرسمية أن “الإعلام العدائي الموجّه ضدنا يختلق الأزمات، ويثير الفتن، ويروّج للأفكار الهدامة، ويلعب علينا بالنار”. وعبّر العنزي عن صدمة الإعلاميين السعوديين حين يرون ما سمّاه بـ”إعلامنا الخارجي”، الذي قال عنه “نجده ضعيفا وخجولا في مواجهة الحملات الإعلامية المغرضة التي يتعرض له بلدنا السعودية، رغم أنه يملك المال والوسائل والأدوات الحديثة والتقنية العالية”.

كثير من المثقفين والإعلاميين السعوديين يرون هذا، ويعتبرون أن الإعلام السعودي الموجّه إلى الخارج، أي بالمجمل الخطاب الإعلامي الرسمي على اعتبار أنه لم يعد هناك من فارق يذكر بين إعلام الداخل وإعلام الخارج، أن ذلك الإعلام لم يواكب ما تتعرض له السعودية بالشكل المهني اللائق والمطلوب، وأنه من دون آلية ورؤية إعلامية واضحة وممنهجة، ويفتقر إلى إستراتيجية عملية واضحة.

الفارق الهائل بين تقدم تقنيات الاتصالات، وحركة تطور الإعلام الرسمي السعودي، سواء على الشاشة أو في المطبوع والمسموع، جعل الحل الذي لجأ إليه السعوديون هو الاستعاضة عن هذا العناء بوسائل التواصل الاجتماعي، وشبكتي الفيسبوك والتويتر وغيرهما

ويشكو هؤلاء من أن الحال سالفة الذكر سمحت بأن “يتكوّن لدى الرأي العام في الأوساط الاجتماعية الخارجية ودوائر القرار قناعات مغلوطة تجاه المملكة وسياساتها نتيجة غياب المهنية والحرفية الإعلامية”.

ومع تحوّل وضع الإعلام السعودي من حالة “عربية رسمية” عامة بائسة، إلى أزمة حقيقية يشعر بها إعلاميو السعودية والإعلاميون العرب، تساءل الكاتب السعودي عبدالله ناصر العتيبي في مقال له في صحيفة الحياة اللندنية (السعودية) قائلاً إن “الإعلام السعودي يغطي الفضاء العربي، ووصوله يتجاوز الإعلام الإيراني بمرات كثيرة، لكن على رغم ذلك مازال تأثيره لا يتناسب مع حجم انتشاره. فأين الخلل؟” وأضاف العتيبي “أولاً؛ علينا أن نعي أن إعلامنا جزء منا. هو في الواقع يمثّل متوسّط قدراتنا. هو تماماً مثل اقتصادنا. علينا أن ننظر بمنظار الحقيقة ولا نعطي ما نملك من قدرات أكبر من حجمها. وثانياً؛ ينبغي أن نفرّق بين وصول الإعلام ومحتوى الإعلام نفسه”.

يقول العنزي في سؤال لافت حقاً إن “إم بي سي وروتانا وغيرهما من القنوات السعودية العابرة للحدود مؤثرة بأداتها، لكنها بحاجة إلى منصات فكرية وثقافية وفنية فاعلة في البلاد من أجل الوصول الكامل لتغطية عربية مصاحبة بتأثير إيجابي عن السعودية. المشكلة ليست مشكلتها بقدر ما هي مشكلة الفقر في الموارد اللازمة للتأثير”.

ومن ينظر إلى الآلة الإعلامية السعودية الهائلة مترامية الأطراف على امتداد خارطة العالم، سواء كانت صحفاً أو تلفزيونات أو إذاعات أو مجلات أو مواقع إلكترونية، سيجد أن هناك فارقاً كبيراً بين الإمكانات المتاحة، والأدوات المتوفرة. وسبق وأن وجد السعوديون الحل بالاستعانة بالخبراء والإعلاميين العرب والأجانب، قبل أن تبدأ ما سميت بخطة “السعودة” لإحلال إعلاميين سعوديين محلّ أولئك الأجانب. لكن هذا لم ينجح على طول الخط، فبقيت بعض المنابر بلا قيادة سعودية دقيقة وواعية، وانحرف أداؤها بشكل كبير، حتى ظهرت وكأنها منابر معادية للسياسة السعودية، مع أنها مموّلة منها بالكامل وغالبيتها تعود ملكيتها للرياض بشكل مباشر.

والسؤال واجب الطرح بالفعل، كيف يمكن للسعودية أن تخلق منصّات فكرية وثقافية تقود تلك المنابر السعودية أو الممولة من السعودية، وبأيّ المحتويات يمكن للرياض أن تنصحها؟ وما هو المحتوى الملائم أصلاً الذي يعبّر عن الحالة السعودية؟ هل هو محتوى “إم بي سي” أم محتوى القناة السعودية الأولى؟

وهل تمتلك الكوادر السعودية بالفعل قدرات على قيادة وتنفيذ تلك الإستراتيجيات الحساسة والهامة التي يجب أن تنشأ اليوم؟ أم أن حالة الإعلامي السعودي المتميز مثل عبدالرحمن الراشد وتركي الدخيل وعثمان العمير، محكومة بكونها حالة أفراد لا حالة فرق عمل؟

الإعلام الداخلي وشبكات التواصل

ومع الفارق الهائل بين تقدّم تقنيات الاتصالات، وحركة تطور الإعلام الرسمي السعودي، سواء على الشاشة أو في المطبوع والمسموع، كان الحل الذي لجأ إليه السعوديون هو الاستعاضة عن هذا العناء بوسائل التواصل الاجتماعي، وشبكتي الفيسبوك والتويتر وغيرهما. وانتشرت حتى أصبحت تحتلّ مواقع متقدمة عالمياً من ناحية عدد المستخدمين. فتراجع الاهتمام بما تنتجه وسائل الإعلام الرسمية المحلية إلى حدوده الدنيا.

وقبل أسابيع فقط كتب الكويتي مبارك الوقيان في صحيفة البيان، منتقداً إعلام السعودية، مضيفاً أنه “يجب على المسؤولين في وزارة الإعلام السعودية اتخاذ قرار يعيد المهنية الإعلامية الحقيقية ذات الرسالة الهادفة، وليس كما هو الحال حالياً”.

المثقفون والإعلاميون السعوديون يشتكون قبل غيرهم، من أن الإعلام السعودي الموجه إلى الخارج، لم يواكب ما تتعرض له السعودية بالشكل المهني اللائق والمطلوب، وأنه من دون آلية ورؤية إعلامية واضحة وممنهجة، ويفتقر إلى إستراتيجية عملية واضحة

حالة التململ من الإعلام المحلي السعودي، من قبل الإعلاميين السعوديين أنفسهم، أصبحت ظاهرة واضحة للعيان، وبات من يحاول التغطية عليها، كمن يحاول ستر الشمس بالغربال. ولكن السؤال الملحّ الآن؛ هل توجد بالفعل نية لتطوير الإعلام السعودي؟

ولهذا كان أول ما فعله وزير الإعلام السعودي الجديد زيارة إلى مقر هيئة الصحافيين السعوديين بالرياض، التقى خلالها رئيس مجلس إدارة الهيئة، ورؤساء تحرير الصحف المحلية. وقال في لقائه ذاك “إن الصحافة شريك أساسي وإستراتيجي في منظومة العمل الوطني”. وشدد على أهمية دور الصحافة المحلية في خدمة رؤية المملكة 2030، وبرنامج التحول الوطني 2020.

لكن هذه الرؤية الأولية وحدها، تحتاج إعادة تدريب طواقم إدارة التحرير في العديد من تلك الصحف، وتوجيهها حرفياً ومنهجياً نحو أداء تشترط فيه الجودة والمواكبة للمشروع السياسي وليس أقل منه. كما يجب تشجيع الجيل الشاب من الكتاب السعوديين الذين يرصدون التغيرات المحلية والإقليمية بوعي وذكاء نادرين، ويجب عدم تركهم دون أن تستفيد منهم الإدارة.

لا شك أن وزير الثقافة والإعلام الجديد له وجه سياسي يمثّل وجه بلاده، وله دور يقوم به لا يقل عن وزير الخارجية، لكنه في النهاية، ليس وزيراً للخارجية. بل يحتاج إلى أن يكون قريباً من القيادة، ولعل هذا يتوافر لدى العواد الذي يعرفه الملك سلمان وولي عهده وولي ولي عهده جيداً جيداً، بحكم تواجده كمستشار في إمارة الرياض لسنوات طويلة وكذلك من خلال شغله لمواقع هامة خلال الفترة الماضية فرضت عليه التواصل الدائم مع صاحب القرار.

ولكن الوزير الجديد يحتاج أيضاً إلى الجلوس على مكتبه، والنظر عن كثب في طبيعة ما لديه من ملفات ومعطيات وليسير مهام وزارته ويرسم لها الخطط ويشرف على تنفيذها.

ولم يكد السعوديون ينسون ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي العام الماضي حول نوع من الاستبيان تداوله مستخدمو تويتر في السعودية عبر هاشتاغ #نظرتك_للإعلام_السعودي الذي نشروا من خلاله آراء ووجهات نظر مختلفة حول الإعلام في بلدهم.

فظهر من بين السعوديين من وصف ذلك الإعلام بأنه “إعلام مجاملات قد يمنع نشر المقالات”، وهناك من وصفه بأنه “فاشل من ناحية خدمة الوطن والرد على هجمات الأعداء”. وكتب البعض أنهم يبحثون عن الأخبار من مصادر إعلام غير سعودية لأنه “يحجب الحقيقة ولا يعتمد الشفافية في نقل الخبر”. وفاق عدد التغريدات التي ظهر فيها #نظرتك_للإعلام_السعودي 36 ألف تغريدة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر