الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

النحس لم يعد يلاحقها

المجتمعات العربية لا تعطي المرأة حق قدرها ولا تصون عرضها، وتمارس أقسى أشكال الإقصاء والتهميش ضد الأنثى.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/05/05، العدد: 10623، ص(21)]

غالبا ما توصف المجتمعات العربية بأنها تراعي الحرمات ويسود فيها الاحترام والحشمة بين الناس، ولكن هل هناك فعلا أدلة واقعية تدعم صورة الكياسة التي يتم الحديث عنها؟ وهل معاناة النساء من التحرش الجنسي والاغتصاب اللذين أصبحا يطالان السافرة ومن ترتدي الحجاب والنقاب بل وحتى الرضيعات، يعبّر بطريقة أو بأخرى عن التقاليد والآداب المزعومة داخل المجتمعات العربية؟

وسأعرض هنا نموذجا لقصة بسيطة ولكنها تكشف عن صورة أخرى قبيحة للمجتمعات العربية، توجد بالطبع استثناءات، ولكن الحقيقة العامة هي أننا مجتمعات لا تعطي المرأة حق قدرها ولا تصون عرضها، فثمة حلقات داخل المجتمعات العربية لا تستحي حقا وتمارس أقسى أشكال الإقصاء والتهميش ضد الأنثى، فبدل أن تعاملها على أنها المرأة العظيمة والأم الحنونة والأخت الودودة والزوجة المتفانية، فإن النظرة العامة إليها للأسف لا تخرج عن الإطار الشبقي، مهما أعطت وقدمت لأسرتها ومجتمعها من تضحيات ودون مقابل، بل جسدها أصبح يستخدم كوسيلة لابتزازها وإذلالها والنيل من كرامتها ووصمها بالعار.

تقول إحدى صديقاتي التي تنحدر من بلد عربي إن النحس يطاردها أينما حلت وذهبت، وفي الغالب كانت لا تمسك نفسها عن البكاء، وهي تسرد عليّ ما تتعرض له من تحرش في المواصلات العامة وفي الطرقات أثناء رحلتها اليومية للذهاب إلى مقر عملها أو العودة منه.

وكنت أحتار في أمرها، خاصة أنها ليست من صنف النساء المولعات بإبراز مفاتن أجسادهن، بل كانت ترتدي الحجاب ولباسها فضفاضا، ولا تبالغ في وضع المساحيق على وجها، ورغم ذلك فقد اشتكت لي مرارا وتكرارا من تعرضها للمضايقات حتى من الأطفال في عمر 13 أو 14 سنة، إلى درجة أنها أصبحت تعتقد أن كل ذلك بفعل سوء حظها، وقد أثر ذلك على نفسيتها كثيرا وأصبحت تفكر جديا في ترك عملها والبقاء بالمنزل، لعلها تتخلص من النحس الذي يتربص بها ويطاردها في كل مكان.

ولكني اقترحت عليها ألا تتسرّع في التخلي عن وظيفتها لأن النحس ليس سوى خرافة من صنع خيالها لا أساس واقعي لها، وتأخذ إجازة وتسافر لزيارة أخيها في إيطاليا حتى تريح أعصابها وتدرس مسألة ترك وظيفتها جيدا لكي لا تشعر بالندم بعد فوات الأوان.

وفعلا استمعت إلى نصيحتي وسافرت إلى إيطاليا بعد أن تمكنت بمساعدة أخيها من الحصول على تأشيرة زيارة لمدة ستة أشهر، قضت صديقتي حوالي الشهر هناك، ثم هاتفتني لتشكرني على مقترحي، ولتزف لي خبر تخلّصها من النحس الذي تقول إنه لم يعد يلاحقها، فلا أحد ضايقها في إيطاليا لا بالفعل ولا حتى بالقول، وتمنت لو تعثر على شغل هناك حتى لا تعود إلى بلادها فيعود النحس إلى اقتفاء تحركاتها.

صديقتي مازالت مصرّة على أن النحس بقي في بلادها، ولكنني على قناعة بأن طبيعة المجتمع في بلدها هي التي لا تسود فيها ثقافة احترام النساء، فالعنف ضد المرأة أو التحرش بها لا يمثلان ظاهرة جديدة على أغلب المجتمعات العربية التي تستخدم الدين كواجهة في حين مازالت تضاريس جسد المرأة تمثل عقدة للكبير والصغير.!

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر