الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

ويسألونك عن الروح

يسألونك عن روح مصر. أليست موجودة هناك، في الفن والجمال والمزج العميق بين الأصالة والعطاء الساحر عند داغر وعمران؟

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/05/05، العدد: 10623، ص(24)]

قريبا من القطب المتجمد الشمالي، دلّني صديق موسيقي عربي، قبل أيام، على حالتين مصريتين، كانتا قد غابتا عني.

الأولى حالة عازف الكمان المصري عبده داغر، الذي يعرفه العالم كله، ولكن بلده مشغول عنه بفهم العلاقة بين أسبقية البيضة والدجاجة، داغر الذي اعتاد على القول “بلدي بتوجعني”، يفاخر بأن جامعات العالم تحدثت عنه ودرست قدراته الموسيقية العالية كجامعة فرجينيا وجامعات ألمانيا وغيرها.

داغر رفض أن يتم تكريمه في أميركا لسنوات طويلة، بسبب حرب جورج بوش على العراق. وكان له عالم خاص به.

فحين تسمع موسيقى عبده داغر تشعر وكأنك أنت العازف، فتزداد ثقة بسحر الجمال، دون أن تخضع له كما يحدث عادة مع موسيقيين آخرين. يعطيك داغر حريتك من خلال سحبات الكمنجة الفاتنة والنداءات العميقة القادمة من البعيد.

لكن هذا لم يكن كل شيء. فكثيرا ما ارتبط اسم داغر باسم شيخ يظهر معه، هو يعزف والشيخ يغني. إنه المقري العملاق محمد عمران، الذي يعتبر النسخة “الشقية” لعبدالباسط عبدالصمد. فعمران شيخٌ معمّمٌ مجلبَبٌ، كان قد فقد بصره في السنة الأولى من عمره.

تجاوز كبار المطربين في المقامات والمدائح، وأيضا في الأغاني الجميلة التي غناها. وكان الموسيقار محمد عبدالوهاب يعرف قيمته، فقد سمعت في أحد التسجيلات الخاصة المسجلة بحضور عبدالوهاب كيف أن الأخير كان يجامل عمران، ويمدحه ويدمدم طربا مع انعطافاته في نشيد “يا سيد الكونين جئتكَ قاصدا/ أرجو رضاكَ وأحتمي بحماكَ”، حتى أن عبدالوهاب هتف قائلا “هذا يوم بألف يوم”.

ما كان يميز عمران انفلاته من كل عقال إلا عقال المقام وأصوله. وقد شاهدتُ له تسجيلات مصورة قديمة، وهو يؤدي جملة واحدة من أغنية “حلم” لأم كلثوم، التي لحنها المبدع زكريا أحمد من مقام راست السوزناك من قصيدة لبيرم التونسي العظيم، فيطير بها عاليا ويحط.

ولم تكن الجملة سوى “بقى يقولي وأنا أقلو، وخلصنا الكلام كلّو” ليبقى السامع في حالة نشوة على مدى ساعة مع عمران، وهو يردد “بقى يقولّي وأنا أقلو” وكأنه في خلوة صوفية.

كان عمران يغني هذا السبك الذهبي بسلاسة وهو يدخّن سيجارته كما ظهر في الفيديو، وعمامته وجّبته مازالتا عليه.

ويسألونك عن روح مصر. أليست موجودة هناك، في الفن والجمال والمزج العميق بين الأصالة والعطاء الساحر عند داغر وعمران؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر