الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

من يحكم ليبيا؟

من يحكم ليبيا ويتحكم فيها حقيقة هو جهلنا وطمعنا وجشعنا وفجورنا في الخصومة التي بلغت حد ألا نجد حرجا في هدم ليبيا بمن فيها وعلى من فيها.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/05/12، العدد: 10630، ص(9)]

سؤال شغل ويشغل بال أكثر المهتمين بالملف الليبي إن لم يكونوا كلهم، كما يشغل حيزا من تفكير الليبيين أنفسهم. وهنا المفارقة حتى أن المحكومين لا يعرفون من هو حاكمهم ولا كيف يحكمهم.

تبحث عن إجابة لهذا السؤال وستأتيك أجوبة متلونة بلون توجهات المجيبين، فمن قائل إن الميليشيات هي من تحكم البلاد وتتحكم في مصير العباد، ومن قائل إنها الجماعة الليبية المقاتلة، وثالث يجزم بأن حكام ليبيا المتحكمين في مقدراتها هم جماعة الإخوان المسلمين، وقد يتلطف ويقول “تيار الإسلام السياسي”، ولا بأس من استحضار القبيلة ودار الإفتاء والمداخلة والمشير خليفة حفتر وعبدالرحمن السويحلي تارة، وابن شقيقته تارة أخرى، والليبيين المتجنسين بجنسيات أميركية وبريطانية خصوصا وباقي الجنسيات عموما. ولا بأس من نسبة الحكم إلى مصراتة، ويذهب آخرون أبعد من ذلك فيتهمون الدولة العميقة رغم أنهم يقرون بأن ليبيا لم تكن دولة.

وستجد أن أصحاب هذه الأجوبة اتفقوا على أن ليبيا ليست كيانا واحدا، وإنما هي مجموعة من الكنتونات لكل منها حاكمها وطريقة حكم ونمط حياة يختلف عن الأخرى، فنفوذ كل حاكم لا يتعدى حدودا حددت له ورسمت بقوة السلاح، حتى داخل المدينة الواحدة ستجد لكل حي حاكمه وفتوته.

أما من يدعي الموضوعية، فسيخبرك بأن حاكم ليبيا ليس ليبيا، وأمر ليبيا ليس بيد أبنائها، وستجد في هذا المقام أسماء كل دول الجوار وغير الجوار توصف بأنها متحكمة وحاكمة في ليبيا، فهذا يسمي مصر، وذاك يسمي قطر، وثالث تركيا، ورابع الإمارات، وخامس السعودية، وسادس إيطاليا، وسابع الجزائر، وثامن بريطانيا، وتاسع فرنسا، وعاشر أميركا، ولا يفوت ذكر النيجر وتشاد والسودان.

وهؤلاء أيضا رغم اختلافهم في تحديد هوية حاكم ليبيا الفعلي، إلا أنهم متفقون على أن ليبيا كنتونات ودويلات كل دولة من دول الجوار أو دول القرار لها نفوذ في جزء منه وأتباع وتبع وعملاء. فمن يحكم ليبيا؟

ولنبدأ بمن يمكن تسميتهم الحكام المحليين؛ أليست الميليشيات تتكون من أبنائنا وإخوتنا وأبناء عمومتنا وخؤولتنا وجيراننا وأصدقائنا؟ هل من بين منتسبي هذه الميليشيات غريب عن ليبيا وأهلها؟ ألا ينفق هؤلاء على أهلهم وينامون في بيوتهم ويمسون ويصبحون بين جيرانهم وأقربائهم؟ ألسنا نحتفي بهم ونطلب ودهم ونباهي بهم ولا نسمح لأحد أن ينالهم بسوء في حضورنا؟

وإذا انتقلنا لما يعرف بالجماعة الليبية المقاتلة، أليس أعضاؤها أبناء ليبيا؟ ألا يحضرون مآتمنا وأفراحنا ويشاركوننا مناسباتنا جميعا؟ ونهش ونبش في وجوههم إذا حضروا؟ ونفسح لهم في المجالس ونقصدهم في قضاء الحوائج؟ وهذا يسري على جماعة الإخوان المسلمين، وكل المتصدرين الليبيين للمشهد الذين ندعي أنهم سبب نكبتنا. وإذا انتقلنا لما يمكن تسميتهم بالحكام الإقليميين أو الدوليين للمنكوبة ليبيا، ماذا نجد؟

ألم نستدعهم ذات يوم للخلاص ورفعنا شعار “نتحالف مع الشيطان” وصلينا تحت أعلامهم وإليها، وتغنينا ببطولاتهم وجعلنا صور قادتهم فوق رؤوسنا، وكبرنا لخطيب الساحة الصهيوني، وتباهينا بصور السلفي مع مبعوث العناية الأميركية وهو يلقي علم دولة الاستقلال من على ظهره ليداس بأقدامنا. وأوقفتنا امرأة أميركية متنكرين لموروثنا الذي يصف المرأة بأنها رجس من عمل الشيطان ولا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، فإذ بنا نقف في طابور استعراض أمام هيلاري كلينتون متفاخرين سعداء منتشين.

ألم نحج طوعا ونتسابق لنيل الرضا من الدوحة وأبوظبي والقاهرة والجزائر والرياض وعاصمة سلطان بني عثمان. ألم يقف رئيس وأعضاء حكومتنا العتيدة طابورا أمام غرفة في فندق كورنثيا بطرابلس يقطنها ولي عهد وليس حاكما طلبا للبركة ونيل الحظوة والعطايا.

ألسنا أصحاب مبدأ “إبليس ولا إدريس”، ثم هتفنا “كل الروس فداء لرأسك يا قائد نحن حراسك، وصفّيهم بالدم سيرْ ولا تهتم، وعلم يا قائد علمنا”، لننادي بحماس بعدها “يا معمر موت موت، الشعب الليبي كله خوت”، و“يحكمنا شارون ولا معمر”، ليذهب معمر ونستبدل شعار “الفاتح أبدا” الذي كان شركيا وبدعيا وقتها بشعار “فبراير ثورة لن تغيب” دون حجر، وإذ بالليبيين “الخوت” تحولوا إلى “حوت يأكل حوت وقليل الجهد يموت”، نرفع صورة زعيم يوما وندوسه بالأقدام في ثاني يوم ونجله ثالث يوم. فمن يحكم ليبيا؟

تقول الحكمة المنسوبة إلى الزعيم الأميركي الجنسية، الأفريقي الأصل، مارثن لوثر كينغ، “لا أحد يستطيع أن يمتطي ظهرك ما لم تكن منحنيا”. نحن من صنع حكامنا وجعلهم متعددين، لكل قوم حاكم وشرعة، ونحن من صفق للباطل وارتضى منطق المغالبة وداس على الحقوق لتحقيق منفعة وهمية.

ألسنا نحن من صفق وانتشى بقانون المغالبة “الدستور يكتبه المنتصرون”، وبدلا من أن ندافع عن حق كل ليبي في العيش الكريم، وأن معركتنا لم تكن بين الليبيين بقدر ما هي معركة الليبيين كي يؤسسوا دولة لكل الليبيين، بدلا من ذلك، هللنا لهذا المنطق كما هللنا لمنطق المدن المنتصرة والمدن المغلوبة، كما هللنا للعزل والإقصاء وشرعية الثورة، كما هللنا وباركنا تهجير المدن وبررنا العقوبات الجماعية دونما قضاء ولا اقتضاء، وتفننا في تقسيم أنفسنا إلى أزلام وجرذان، مسلمين وعلمانيين، منتصرين ومنهزمين، ليبيين أصلاء وليبيين دخلاء، أقلية وأغلبية.

من يتاجر في قوتنا ويقوم بفتح اعتمادات وهمية ويورد لنا حاويات فارغة، ماذا فعلنا للجمهم؟ من يكتب دستورنا، ومن يمثلنا في البرلمان، ومن يتفاوض باسمنا في كل محفل، ومن يرأس حكوماتنا المتعددة تعدد الزوجات، ومن أمنّاه على مراقبة الأداء العام. من يقود المعارك ويقاتل فيَقتل ويُقتل، ومن ينهب ويخطف ويسرق، ومن يتستر عليه ويأويه ويوفر له الغطاء الاجتماعي والحماية القبلية. من يحكم ليبيا؟

ليس صعبا أن نستنتج بل نرى ونلمس أن الجهل هو وصف ليس مضادا للتعليم بقدر ما هو وصف لمن وهبه الله المقدرة على السمو إلا أنه فضل أن يضر نفسه وعشيرته، ومن هنا وصف هشام بن الحكم أحد عقلاء قريش، بأنه أبوجهل، رغم معرفته ورجاحة عقله، إلا أن الكبر والحقد والحسد أعمته عن رؤية الحق فحاربه، فضل وأضل، وهذا حالنا.

نعم هذا حالنا، نعلم جيدا أن حال البلاد لن يصلح إلا بنبذ خلافاتنا التي تبين مع مرور الوقت أنها مصطنعة، ونحن من صنعها من أجل الحصول على نصيب في الكعكة، فليبيا في نظرنا ليست وطنا بقدر ما هي كعكة نتصارع لأجل الحصول على أكبر قطعة منها، ولا نجد حرجا في أن نستعين بالشيطان نفسه وإن أكل الكعكة كلها كي لا يأخذ أخي في الوطن نصيبه وإن كان قليلا.

من يحكم ليبيا ويتحكم فيها حقيقة هو جهلنا وطمعنا وجشعنا وفجورنا في الخصومة التي بلغت حد ألّا نجد حرجا في هدم ليبيا بمن فيها وعلى من فيها، نلوم زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا. لا أنكر نظرية المؤامرة، إلا أني أعتقد أن المؤامرة من صنعنا نحن، وإننا من يتآمر على نفسه ليدمر نفسه بنفسه.

ليسأل كل منا نفسه، كم مرة سعى لينال حقا ليس له، كم مرة زكى موظفا أو مسؤولا فقط لأنه سيقضي مصالحه الشخصية على حساب القانون، وكم مرة تآمرنا على موظف ومسؤول مهني محترف فقط لأنه “واعر” ويحترم القانون ولا مكان للمجاملات لديه.

كم مرة سخرنا من موظف وشرطي وجندي يعمل بإخلاص واعتبرناه “درويشا” لم يخدم نفسه ولم تستفد منه أسرته فنبذناه اجتماعيا. ثم نسأل من يحكم ليبيا؟ ومن دمرها ومن يسعى إلى خرابها؟

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

فتحي بن عيسى

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر