الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

منازل بلا مكتبات كحقول بلا ثمار

  • أسباب عديدة تقف وراء عدم اهتمام المجتمعات العربية بالمطالعة، إلا أن أصابع الاتهام تتجه إلى التكنولوجيا الرقمية التي ملأت حياة الناس واستحوذت على اهتماماتهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/05/16، العدد: 10634، ص(21)]

من يشتريك يا كتاب!

تفقد المنازل يوما بعد آخر ركنا مهما، أسهم على مدار قرون في صناعة وعي وثقافة الأسرة، بعد أن تراجع الاهتمام بالمكتبات المنزلية، وصارت غالبية الأسر العربية بمن فيها المتعلمة لا تعير اهتماما بالمكتبة المنزلية ولا ترفدها بالجديد من الكتب، فضلا عن إهمالها للكتب القديمة.

وكانت أغلب العائلات في العالم العربي تجتهد لتخصيص مساحة في المنزل للكتب لضمان تداولها بين الأجيال، فيما كان الآباء يقدمون المغريات لأبنائهم من أجل المطالعة ويرشدونهم للكتب المفيدة.

وإن لم يكن الآباء من المتعلمين، فإن أولادهم لا غنى لهم عن الذهاب إلى المكتبات المحلية القريبة من مناطق سكناهم، غير أن مثل هذه المكتبات صارت نادرة في أغلب المدن العربية.

حنان عبدولي: أجد مرونة في الاستيعاب عند القراءة من الكتاب

كما كان الأصدقاء والأقارب يتبادلون الكتب في ما بينهم، من أجل الاستفادة منها، وتحدث خلافات وخصومات عند عدم إعادة الكتاب المستعار إلى صاحبه، إلا أن هذه التقاليد تلاشت تقريبا من طقوس المنازل، وباتت البيوت التي تحتفظ بالكتب قليلة جدا.

وبالرغم من زخم السوق العربية بعناوين جديدة وطبعات حديثة لكتب قديمة وتعدد المناسبات التي تحتفي بالكتاب والكتّاب، إلا أن نسبة 30 بالمئة من الناس في العالم العربي لا يقرؤون أصلا.

وأرجع المدرس المصري مروان سالم في حديث لـ”العرب” عدم اهتمام العوائل العربية بالمطالعة وتخليها عن عادة الاحتفاظ بالكتب إلى الغزو الرقمي الذي وفر القراءة الإلكترونية للكثيرين.

فيما قالت الطالبة التونسية نجلاء برهومي لـ”العرب” إن الأجهزة الذكية باتت توفر كل ما تريد قراءته، مستهجنة فكرة الاحتفاظ بالكتب التي قد تأخذ مساحة من المنزل وتجلب العثة والغبار.

ولكن إغراءات التكنولوجيا لم تجعل ابنة بلدها المهندسة حنان عبدولي تستغني عن متعة قراءة الكتب التي تعتبرها طقسا من طقوس حياتها ولا يمكن الاستغناء عنه.

وقالت عبدولي لـ”العرب” إنها تجد مرونة في الفهم والاستيعاب عندما تقلب ورقات الكتاب على عكس الكمبيوتر الذي لا يشعرها بالراحة.

وأشارت إلى أنها بصدد قراءة رواية “النجوم تحاكم” للكاتب السوري حنا مينة، التي أهداها إليها شخص عزيز عليها، نظرا لمعرفته بولعها الشديد بالكتب.

أما مهندس البرمجيات العراقي ماهر فاضل صالح الدليمي فرغم أنه يقدر على ما يبدو قيمة قراءة الكتاب ودوره الكبير في تثقيف النشء وتنمية المعارف، ولكنه يعترف بأنه لا يمتلك مكتبة في بيته.

كمال الرياحي: مكتبتي الشخصية تكبر وتتجدد كثوب الأفعى

وعند سؤال “العرب” له عن أسباب هذا التناقض قال “عندما أجد نفسي محتاجا إلى المكتبة سأنشئها في بيتي وأجلب إليها الكتب الضرورية، ولكن هذا لا يعني أنني لا أطالع”.

في حين تظل مكانة المكتبة ثابتة في قلب وبيت الروائي التونسي كمال الرياحي على مر السنين، فعبر بفصاحة بليغة عن تعلقه بالكتاب قائلا “كل شيء من حولي متحرك وقد يختفي إلا المكتبة التي رافقتني منذ طفولتي إلى اليوم، فقد زرع فيّ والدي فكرة المكتبة منذ كنت في العاشرة، عندما تبرع لي برف من رفوف مكتبته لأضع عليه ما اقتنيته من كتب”.

وأضاف “بعدها كانت أمي حليفتي في ترتيب مكتبتي الشخصية، فقد كانت تعطيني رفوف دولاب أدباشها مرة لكي أرسم عليها، وأحيانا أخرى لكي أجعل منها رفوفا لكتبي، فالكتب أثمن شيء في حياتنا كأسرة”.

وأوضح “علاقتي بالكتب تتوطد كل يوم لأسباب براغماتية متعلقة باشتغالي بالأدب والنقد والإعلام، وفتحي يوميا العشرات من الكتب، وأيضا لأسباب عاطفية وثقتها علاقتي بالمكتبة منذ الصغر”.

واسترسل في الحديث “أعتقد أن علاقتي بالمكتبة شبيهة بعلاقة ألبرتو مانغويل بمكتبته وعلاقة بورخيس بمكتبته، حتى أنني أصبحت أرى العالم كما يراه مجرد مكتبة كبيرة”.

وشدد الروائي التونسي “الكتاب الرقمي والمقرصن لا يمكن أن يكون بديلا عن الكتاب الورقي، ولن يهدد مكتبتي الشخصية التي تزداد كل يوم وتكبر، وتتجدد كثوب الأفعى، لكنها أبدا لم ولن تختفي من بيتي الذي هو في النهاية ليس سوى مكتبة”.

كما يبدو ابن بلده محسن الخميسي المختص في التصميم والإشهار والاتصال، رغم اقتران مهنته بالتكنولوجيا ومستجداتها، متمسكا بأهمية وجود المكتبة في بيته.

محسن الخميسي: الكتاب مصدر قائم الذات ولا يمكنني الاستغناء عنه

وقال الخميسي لـ”العرب” “رغم هيمنة التكنولوجيا على حياة الناس بما توفره من مصادر متعددة للمعرفة وسبل سهلة للوصول إلى المعلومة، يبقى الكتاب بالنسبة إلي مصدرا قائم الذات ولا يمكن الاستغناء عنه”.

وأضاف “أنا شخصيا رغم اعتمادي على الإنترنت بشكل مكثف في عملي، فإن ذلك لا يغنيني عن الرجوع إلى مكتبتي البيتية في العديد من المناسبات، فواقعنا الحالي وما يدور فيه من تقلبات سياسية واقتصادية يجعلني أكثر قربا من الكتاب، سواء كان ذلك للتثبت من بعض الحقائق أو للاطلاع على التاريخ أو على آراء المختصين والمبدعين في شتى المجالات”.

وللروائي والشاعر التونسي سامي نصر حكاية غرام طويلة مع الكتاب لا يمكن للغزو التكنولوجي أن يبددها، فهو لا يتقبل فكرة أن يكون بيته خاليا من المكتبة.

وقال نصر “الكتب في بيتي مكون أساسي، والمكتبة ضرورية، وأعتقد أن وجود المكتبة لا يكون بقرار بل هو سلوك مستمر نقتني فيه الكتب على امتداد سنوات طويلة”.

وأضاف “أما بخصوص مكتبتي فيوجد بها ما قرأت من كتب، وكذلك الكتب التي اعتمدتها كمصادر لبحوثي أو كخلفية لأعمالي، بالإضافة إلى الكتب الخاصة بالحكايات الشعبية سواء كانت بلهجات عربية أو مترجمة، وهي مادة قيمة وهامة جمعتها بعناية كبيرة”.

وختم بقوله “أتمنى أن تتاح لي الفرصة لتطوير مكتبتي البيتية وإعطائها حيزا كبيرا بعيدا عن سلطة التلفزيون المدمرة لكل ما هو جميل في حياتنا”.

ولا يحتاج الكتاب إلى محاضرة عنه ليترك انطباعا وأثرا جيدا لدى الناس، فالعديد من الأشخاص وأنا من بينهم يشعرون بأنهم في أفضل حال بمجرد مسك الكتاب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر