الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

امرأة متلهفة ورجل محتال

عندما تعجبنا ملامح شخص ما ومظهره، فإننا في الغالب نبحث في داخلنا عن كل الصفات الإيجابية لنصبغها عليه ونعلي من شأنه، من أجل أن نثبت صدق مشاعرنا تجاهه.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(21)]

يبني الكثيرون منا ثقتهم في الناس وفقا لما يعكسه مظهرهم الخارجي وملامح وتعابير وجوههم، وفي مجال العلاقات الإنسانية قد تكون الانطباعات الأولية هي الأساس في ربط علاقات اجتماعية قد تدوم مدى الحياة، وربما تنتهي في نفس اللحظة التي بدأت فيها.

فعندما تعجبنا ملامح شخص ما ومظهره، فإننا في الغالب نبحث في داخلنا عن كل الصفات الإيجابية لنصبغها عليه ونعلي من شأنه، من أجل أن نثبت صدق مشاعرنا تجاهه.

وإذا لم تعجبنا ملامح شخص، فسوف نبرع في البحث عن أبشع النعوت لنصفه بها من أجل أن نثبت لأنفسنا أنه شخص سيء ولا يستحق أن نعيره اهتمامنا، ونقطع علاقتنا معه قبل أن تبدأ.

والنتيجة أن كل واحد منا يكون قد حكم على غيره بطريقة عشوائية وغير عقلانية، بل مبنية على مجرد انطباعات وافتراضات سطحية.

ومثل هذه الأحكام المسبقة يمكن ألا تسبب أي ضرر لأصحابها، إن حالفهم الحظ وكانت معظمها صحيحة، ولكن الجانب اللاشعوري فينا ليس دائما صادقا، ونادرا ما يكون مرشدا جيدا للحقيقة.

وقد وقعت إحدى زميلاتي، بسبب لهفتها على فرصة زواج ضحية للخداع من قبل شاب، لم تعط نفسها فرصة لتعرفه أكثر وتختبر شخصيته، بل افترضت منذ أن تبادلت معه الابتسامات والنظرات وبعض الكلمات ورقم الهاتف في أحد الأماكن العامة، أنه سيكون فارس أحلامها الذي انتظرته على مضض لسنوات طويلة، فرسمت له صورة مثالية ووصفته لنا بكلمات وتعابير أقرب لأن تكون ملحمة شعرية منها إلى الواقع.

ولكن زميلتي التي كانت واقعة تحت ضغط الهاجس النفسي المشترك لأغلب الفتيات العربيات اللاتي تجاوزن سن الثلاثين ولم يتزوجن، لم تكن تدرك أنها ستقع ضحية لرجل مخادع بالفطرة، لقد دعاها إلى شرب قهوة، فقبلت بكل ترحيب ورغبة في أن تظفر بقلبه فيقبل الدخول معها في القفص الذهبي، وفي الوقت الذي كانت هي ترسم في ذهنها حكاية غرامية، كان هو يحيك حيلة جهنمية للاستيلاء على هاتفها “الأيفون” الذي أهداه إياها شقيقها.

لقد رسم لها ذلك الشخص المخادع سيناريو محبوكا، مدعيا أن بطارية هاتفه قد انتهت، واستأذن منها لاستعمال هاتفها في إجراء مكالمة عاجلة إلى شغله فقبلت بكل ترحيب، وبسبب صوت الموسيقى المرتفع طلب منها أن يخرج إلى خارج المقهى فلم تمانع، وكل همها أن ترضيه، إلا أنها وبعد مضي دقائق تفطنت إلى خطئها الفادح، فركضت إلى الخارج فاعترضها صاحب المقهى يطلب الحساب، فقالت له إن الشخص الذي يتحدث بالهاتف في الخارج هو من سيدفع، فتعجب صاحب المقهى، ورد عليها بألا أحد في الخارج، فهرولت إلى باب المقهى غير مصدقة ما سمعته، وأمعنت النظر فلم تر أحدا، لقد ذاب مرافقها كفص ملح، فصدمت لأنها لا تملك أي دليل يوصلها إليه، فرقم هاتفه بقي على هاتفها الذي سرقه، كما أنها لا تستطيع أن تتقدم بشكوى ضده خوفا من ردة فعل عائلتها، وأيضا لأنها لا تحتفظ بالرقم التسلسلي لجهازها.

دفعت زميلتي الحساب إلى صاحب المقهى وعادت إلى مقر العمل لتقص علينا قصتها، لعلها تجد عندنا الحل لورطتها التي وقعت فيها عن حسن نية.

ربما ليس المهم الهاتف في قصتها، ولكن الأهم هو أن تستوعب زميلتي الدرس، وتتعلم التروي في الحكم على الآخرين، ولا تجعل لهفتها على الزواج تتحول ورقة رابحة في أيدي الرجال المحتالين وعديمي الضمير.

كاتبة من تونس مقيمة بلندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر