الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أحبك!

لم يعرف أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع سواء كانوا متدينين أم غير متدينين، مسلمين أم مسيحيين، بأن الأيام ستحوّل مطالبهم تلك من ضرورات حياتية إلى أحلام لا تتحقق إلا في الآخرة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/20، العدد: 9415، ص(24)]

خرجت ثورات الشباب من الضواحي والأرياف ثم المدن العربية، في أكبر تحرّك شهدته هذه الأمة منذ القرن السابع الميلادي وحتى هذه اللحظة، وكانت أسباب حركتها واضحة ومحددة، لا تخرج عن مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة والحق بالعمل والحياة الكريمة، وأهم ما يميّز كل تلك المطالب، أنها “دنيوية” تم التفكير فيها والنضال من أجلها كي تُطبَّق في هذه الحياة، وكي ينعم المطالبون بها بنتائجها الطبيعية المباشرة، ولم يعرف أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع سواء كانوا متدينين أم غير متدينين، مسلمين أم مسيحيين، بأن الأيام ستحوّل مطالبهم تلك من ضرورات حياتية إلى أحلام لا تتحقق إلا في الآخرة، وبدلا من البحث عن أسباب نيل تلك المطالب، غلابا وليس بالتمني كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي ذات يوم، جرى تغيير المطالب إلى ما يلائم الأنظمة الوحشية، التي لا تعرف الاستجابة والرضوخ للشعوب، بقدر ما تعرف أسهل الطرق إلى إيصالك إلى العالم الآخر بالقتل أو التفجير أو القصف أو النسف.

فحلّ الاستشهاد محل الحياة الواقعية، واتخذ الموت في سبيل القضايا الحياتية، طابعا خياليا لبّى رغبة الدكتاتوريات التي أرادت أن تقتل المزيد من المطالبين بالحرية، بينما كان الهدف أن تنزل الجنة ليعيش الناس فيها هنا والآن، وليس في عالم الغيب، ولا يمكن بالطبع إنكار حقيقة قداسة الموت من أجل القضايا العادلة، وجلال قوافل الشهداء الذين غادروا عالمنا، ظلما وعدوانا وليس رغبة في الموت، وكان ممن دافع عن جرّ الناس إلى الموت وزير دفاع حافظ الأسد، العماد مصطفى طلاس الذي أجرت معه سوزان كويلبله Susanne Koelble حوارا خاصا لمجلة دير شبيغل الألمانية في العدد الثامن من صيف العام 2005 واعترف لها بأنه لا يتذكر تماما عدد (التواقيع) على أحكام الإعدامات التي جرى بها قلمه، وقال “كما ترين إن ما حدث كان أمرا لابد منه، لقد وصلنا إلى السلطة بقوة السلاح ومن أراد انتزاعها منا انتزعنا روحه، ومن أراد أن يحكم فعليه إدخال الرعب إلى قلوب الناس″، الطريف والمؤلم معا، أن تلك المقابلة ركّزت على زمالة دراسية قديمة جمعت ما بين طلاس رجل حافظ الأسد ورياض الترك المعارض السوري البارز، الذي قضى في السجن أكثر من ثمانية عشر عاما، فحين سألت الصحفية طلاس عن موقفه من صديقه القديم قال: “كان عنيدا”، وختمت الصحفية بنقل شكوى طلاس واستغرابه من فجاجة الترك بالقول “وقد أرسل طلاس بعد الإفراج عن الترك، باقة ورد وحلويات مع بطاقة كتب عليها “أحبّكْ” فما كان من الترك إلا أن أعاد الورد والحلويات والبطاقة وكتب عليها “أحتقركْ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر