الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الحريق الكبير في العراق من يطفئه؟

إيران النافذة في العراق تصارع وبكل الإمكانيات لعدم خسران جناحها الغربي في لبنان بسقوط نظام بشار الذي يهدد مباشرة نفوذها في العراق.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/07/24، العدد: 9275، ص(9)]

رغم إن الخطاب الإعلامي الذي يسوقه المسؤولون في حكومة بغداد لتبرير الانهيار الأمني منذ عام 2003 ولحد اليوم يرميه على «تنظيم القاعدة» وهي عكازة الضعفاء والفاشلين، لدرجة إن المواطن العراقي الذي لا يحتاج إلى ذكاء لفك طلاسم الأسباب الحقيقية وراء هذا الانهيار أخذ يتندر من تلك التبريرات رغم ضخامة مأساته الإنسانية لعشر سنوات.

وهنا لا نريد أن نبعد القاعدة عن أعمال العنف والتفجيرات، بل إن هذا التنظيم الإرهابي دائماً ما يستثمر المناخ والبيئة الهشة وتشابك الرؤية بين جهات عدة متورطة بالدم العراقي لتنفيذ أهدافه اللئيمة. وليس جديداً القول بأن العراق نظيف منه بنسبة 100بالمئة قبل عام 2003 مثلما لم تعرفه الجارة سوريا قبل انفجار الثورة الشعبية قبل عامين ونصف. فالقاعدة صناعة المخابرات الأميركية في أفغانستان ثم انقلبت عليها، وتحوّلت إلى بضاعة في سوق الحروب الطائفية المسّوقة في العالم العربي، وفي العراق بعد الاحتلال بصورة خاصة. وكل المعلومات المتداولة تشير إلى أن إيران هي إحدى المنابع المصدرة لقادته الأوائل قبل أن تنمو قيادات محلية عراقية اندفعت لهذا التنظيم الإرهابي، في استغلال للمقاومة المسلحة العراقية ضد الاحتلال، الذي وفرّ البيئة لانتعاش هذا التنظيم إلى جانب حكومات ظل الاحتلال عن طريق قوانين الاجتثاث، وحملات القتل والاعتقال والتغييب للطبقة الوسطى العراقية من الكفاءات العلمية والمهنية التي بنت الدولة العراقية، ومن الظلم أن تحسب على النظام السابق.

وإذا كان غرض الاحتلال في جلب أفراد القاعدة من أفغانستان إلى العراق للانقضاض عليهم، في لعبة تتكرر اليوم في سوريا، فقد وجد هذا التنظيم الإرهابي إن فرصته أسهل في العراق من أفغانستان في استهداف الجنود الأميركان، وحصل ذلك التشابك المعقد ما بين المقاومة الشعبية المسلحة التي كان هدفها طرد الاحتلال من الأرض العراقية، وبين استراتيجية القاعدة التي توفرت أمامها الحاضنة في البيئة العربية «السنية» في مخادعة مررت على المقاومة العراقية التي فقدت الكثير من سمعتها، خصوصاً إن أطرافها السنية لم تنسق مع «المقاومين الشيعة» رغم ما قيل عن فتاوى بعدم المواجهة المسلحة مع الاحتلال الذي سلّم السلطة «للشيعة في العراق» حسب قولهم.

هذا التشابك والخلط المتعمد ما بين المقاومة المسلحة وبين تنظيم القاعدة شجعه ويشجعه الأميركان في سوريا اليوم. فقد انكشفت وبسرعة لعبة «تنظيم النصرة» في مواجهة ميدانية ضد الجيش السوري الحر بدفع إيراني أميركي سوري دون تنسيق مباشر بينهم. لقد سبق لقيادة الاحتلال الأميركي عام 2006 المتمثلة بالجنرال ديفيد بترايوس أن صنعت تشكيلات «الصحوات» المسلحة لضرب القاعدة، ولاقت هذه الفكرة الذهبية الرواج داخل الحواضن العشائرية في الأنبار وصلاح الدين وبغداد والموصل بسبب الأذى من هذا التنظيم الإرهابي، وقال بعض خبراء البنتاغون إن الهدف الأميركي كان أيضاً خلق انشقاقات داخل الأوساط العشائرية (السنية).

إلا أن الأحزاب الشيعية وجدت فرصتها في تشجيع مليشياتها ورعايتها مقابل ما ادعته من أن «الصحوات» هي ميليشيات «سنية» صنعها الأميركان، وهنا وقع الشعب العراقي ضحية تلك اللعبة التي مهدت لحريق الحرب الطائفية 2006 و2007، وتصاعدها في عملية تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في يونيو 2007 والتي اعترف الجنرال الأميركي «كيتسي» أخيراً بأن وثائقهم تؤكد تورط إيران في ذلك التفجير الإجرامي.

ثم عادت فتنة الحرب الأهلية لتستيقظ من جديد هذه الأيام لتتصدر وسائل الإعلام المليشيات المسلحة (البطاط وعصائب أهل الحق) التي تتوعد بالقتل والتدمير وتوزع المنشورات والتهديدات إلى أهالي المناطق في بغداد خاصة. وكذلك عودة مناخ الإرهاب للنشاط بوتائر عالية في مسلسل التفجيرات الأخيرة في عموم محافظات العراق دون إنتقاء سني أو شيعي، في ظل صمت حكومي بائس يشير إلى التخلي عن حماية المواطن العراقي من الموت اليومي، وهو دليل يكفي لإسقاط أعتى حكومات العالم. في وقت يعتقد المالكي إنه بإعادة نسخة الصناعة الأميركية للصحوات في الأنبار بالولاء لحكمه سيتمكن من القضاء على الاعتصامات الشعبية السلمية هناك وفي باقي المحافظات العربية السنيّة، في الوقت الذي يحّذر في خطاباته من مخاطر الفتنة الطائفية، لكنه يرمي مسؤوليتها على طرف طائفي آخر، وهو منهج حزبي أكثر منه سياسة لرجل دولة لكل الشعب.

إن الواقع الميداني الأمني الذي انهار في الأيام الأخيرة وانتعاش المليشيات المسلحة بصورة أقوى في لعبة إعلامية مكشوفة تدعي التطاول على الحكومة مع أن قياداتها تتفاخر بأنها تدعمها، ثم اعترافها بانتقال مقاتليها الى سوريا «لحماية المراقد الشيعية»، إنما يشير للأسف إلى مقدمات سريعة لاشتعال حريق الحرب الطائفية في العراق التي لم تنته عام 2007، وبمخاطر أكثر لارتباطها بالوضع المتدهور في المنطقة.

في حين أن أزمة العراق هي أزمة نظام الحكم السياسي والتركيبة الحزبية، والعلاقات التي انهارت بين أطراف العملية السياسية، وصراع القوى الطائفية القائم بسبب الحصص (الهيمنة مقابل التهميش)، وقد ساعد تطور الأوضاع في سوريا وانتقالها من صراع داخلي مسلح على سلطة حكم فردي استبدادي، إلى صراع مصالح قوى دولية وإقليمية على تقريب توقيتات حريق الحرب الطائفية في العراق.

فإيران النافذة في العراق تصارع وبكل الإمكانيات لعدم خسران جناحها الغربي في لبنان بسقوط نظام بشار الذي يهدد مباشرة نفوذها في العراق. إضافة إلى أردوغان الذي لا يختلف عن خامئني إيران في محاولة بعث امبراطورية النفوذ الجديدة. طالما أن لعبة الصراع الطائفي والعرقي خططت لها أميركا في المنطقة لمشروعها الكبير الذي انهار من قاعدته الأولى في العراق، وبعد انفتاح جسم المنطقة على إعادة توزيع وظائف رئيسية وفرعية لا تختلف من حيث الجوهر عن سايكس بيكو، بعد الذي حصل من مجازر (سربرتيشا 1995 في البوسنة) وغيرها التي دامت ست سنوات، وحرب كوسوفو عام 1999 التي تتكرر في سوريا منذ عام 2011 وحتى اليوم، انسحبت اليوم إدارة أوباما من المشهد في منتصف الطريق، تاركة القوى الإقليمية تتصارع، والتي لم تجرب لعبة النفوذ الكبيرة التي كانت تتقاسمها دول الإمبراطوريات الاستعمارية ثم القطبين الرئيسيين بعد الحرب الثانية.

لكن تداخلات أوضاع شعوب المنطقة قد يعطل جميع المشاريع الإقليمية، وأصبحت التكلفة مزيداً من دماء الشعوب ونوم أبنائها في قبور جماعية أو في العراء وجوع وتشريد لمن ينامون على بحيرة من الذهب، وكل الدلائل والمعطيات تشير إلى تصاعد شحنات الأحلام بالزعامة العرقية والطائفية من لاعبين كبار تقاعدوا ويحاولون العودة إلى الخدمة، أو لاعبين صغار شاهدوا الفراغ والتقطوا الفرصة. فالقيادة الكردية في العراق مثلاً وجدت نفسها جزءاً من الطبخة الكبيرة التي تنفذ في المنطقة والعراق داخلها، فلماذا لا تتحرك وتستثمر الظروف المفككة في محاولة تنفيذ رغبتها في حلم الدولة الكردستانية من تخوم أعالي الفرات في سوريا، حيث وضح ذلك في عدم انضباط قيادة الاتحاد الكردي السوري إلى جانب المعارضة السورية المسلحة، والتسرع في الدعوة إلى قيام كيان أو دولة كردية في سوريا قبل حصول أي تحول أو انتقال للسلطة هناك، ودخولهم في قتال غير مبرر ضد الجيش السوري الحر.

إن الانهيار الأمني في العراق أصبح أكبر من قدرة حكومة لا تنتمي لأبنائها بحقن دمائهم الزكية، وتتعاطى مع هذه القضية الكبرى من منطلقات فئوية طائفية. فالحالة العراقية بحاجة إلى حكومة وطنية قوية لكل الشعب العراقي، أمام عجز جميع الكتل السياسية في التعبير عن إرادة الشعب. ولعل الحل السياسي هو بيد هذا الشعب الصامد لمنع الانهيار الكبير، ولكي لا يمتد لهيب الحريق من سوريا الصامدة بوجه الموت إلى العراق الذي احترق جسده وبقى قلبه نابضاً لحد اللحظة.

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر