الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

من هذا الذي يتربص بالجزائر

العمل الجدي والجماعي في ظل تسوية سياسية واجتماعية شجاعة وصادقة على صعيد الجبهة الداخلية الجزائرية ضروري وهو المقدمة الصحيحة التي لا يمكن الاستغناء عنها على طريق تحقيق الأمن.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/06/29، العدد: 10676، ص(9)]

يكتسي التصريح الذي أدلى به خلال هذا الأسبوع نائب وزير الدفاع الجزائري ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، والذي أكد فيه أن هناك نوايا غير بريئة تتربص بالجزائر، أهمية استثنائية لأنه صادر عن ثاني أكبر مسؤول عن المؤسسة العسكرية في البلاد بعد رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة حيث يفترض أنه يتحدث عن مخاطر محدقة حقيقة باعتباره يملك أسرارا واطلاعا واسعا على الخفايا الأمنية.

لاشك أن مضمون تصريح نائب وزير الدفاع الجزائري مؤسس على حقائق ملموسة. وتتلخص هذه الحقائق جوهريا في تجربة العشرية الدموية الجزائرية وذيولها التي لا تزال مستمرة وفي ما تشهده بعض الدول المجاورة للجزائر حاليا من أزمات وانهيارات أمنية يمكن أن تنتقل عدواها عاجلا أو آجلا إلى الفضاء الجزائري بنفس الخطورة والحدة والانتشار.

يريد نائب وزير الدفاع الجزائري الفريق قايد صالح من وراء تصريحاته توجيه ضربة وقائية استباقية لفلول الإرهاب وتتمثل في تعبئة الرأي العام الوطني قصد الوقوف في وجه ما دعاه مرارا بأصحاب النوايا غير البريئة وذلك لمنعهم من التسلل إلى العمق الجغرافي الجزائري من جهة ومن تشكيل حاضنة شعبية ما محتملة لهم في الجزائر العميقة سواء في المدن أو في الأرياف من جهة ثانية.

وفي الواقع فإن الجزائر وحدها لا تستطيع أن تنعم فعـلا بالأمن الدائم في المدى المنظـور وفي ظل وجـود القـوى المتطرفة التي مارست سابقا عمليات مسلحة عنيفة متفرقة في داخل الفضاء الوطني الجزائري والتي لا تزال تمارس راهنا العنف المسلح على مشارف حدودها الجنوبية والشرقية.

لا ينبغي فصل الوضع الأمني للجزائر عن أمن المنطقة المغاربية كلها بما في ذلك امتداداتها سواء على مستـوى المشرق العربي أو على مستوى العمق الأفريقي وذلـك على طول حـدودها الجنوبية، وأكثر من ذلك فـإن مفهـوم الأمن ينبغي أن يوسَع ولا يجب أن يضيق ويحصر في التطرف المسلح فقط لأن ثمة أنماطا من المشكلات المزمنة الكبرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والسيـاسي التي تسببـت ولا تزال تتسبب في خلق التوتر داخل الوطن وتترجم في الميدان من طـرف العناصر المتطـرفة على شكل عمليات مسلحة عنيفة هنا وهناك.

من هنا فإن بناء حزام متعدد الأبعاد وقوي وقادر على منع تغول الإرهاب في الجزائر مشروط بعدة عوامل داخلية وأخرى لها علاقة وطيدة بما يحدث في الدول المجاورة سواء في تونس أو في ليبيا أو في مالي أو النيجر أوغيرها.

في هذا الخصوص فإنه لا بد من إعادة بناء المناخ السياسي الجزائري بما يفضي إلى خلق تفاهمات جديدة بين أحزاب المعارضة الجزائرية وبين النظام الحاكم وأحزاب الموالاة. وأكثر من ذلك فإن التفاهمات السياسية وحدها لا تكفي إذ لا بد من إيجاد حلول لمظاهر الشلل العام في البلاد وللمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والإثنية التي تقلق الجزائريين وتزرع في نفوسهم اليأس باستمرار.

إن العمل الجدّي والجماعي في ظل تسوية سياسية واجتماعية وإثنية شجاعة وصادقة على صعيد الجبهة الداخلية الجزائرية ضروري وهو المقدمة الصحيحة التي لا يمكن الاستغناء عنها على طريق تحقيق الأمن المادي والمعنوي والنفسي في حياة المواطنين والمواطنات وكذلك للحيلولة دون توغل مجموعات العنف، كثقافة وأيديولوجيا وكقوى مسلحة، في النسيج الوطني الكلي.

لكن ينبغي أن يتزامن هذا كله مع بناء حزام أمني شامل آخر للمنطقة المغاربية. ويمثل هذا الحزام عدة مسائل مترابطة ومتبادلة التأثير وفي مقدمتها تسوية المشكلات القائمة بين الدول المغاربية وخاصة بين الجزائر والمغرب بما يؤدي إلى الانفراج السياسي وعودة العلاقات الأخوية وفتح الحدود، وإعادة الحياة إلى الاتحاد المغاربي وتفعيل التعاون الاقتصادي والتكامل السياسي والترابط الاجتماعي والثقافي، وكذلك تشكيل قوة أمنية وعسكرية مغاربية مشتركة لها روابط مع العمق الشعبي تكون مهمتها التصدي لأصحاب النوايا غير البريئة التي تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة المغاربية كلها.

إلى جانب ما تقدّم فإنه من المستعجل حل المشكل الليبي في الإطار المغاربي بما يؤدي إلى إعادة الاستقرار والأمن لهذا البلد، وفضلا عن ذلك فإنه من المستعجل تكوين وتنفيذ مشروع استراتيجي اقتصادي مغاربي مشترك يقضي على البطالة والفقر في المنطقة كلها ويساعد على توفير الظروف الملائمة لسحب البساط من تحت أقدام قوى العنف التي تستغل مظاهر التفكك الاجتماعي والفقر القائمة في المجتمعات المغاربية بنسب متفاوتة لتمرير وتنفيذ مشاريعها الهدامة بين أوساط الشرائح الفقيرة والمهمشة وهدفها في ذلك هو ضرب أمن المنطقة المغاربية كلها.

ومن المستعجل أن تفتح البلدان المغاربية معا حوارا حقيقيا مع الضفة الأوروبية الشمالية في إطار مجموعة 5 زائد 5 لتسوية أوضاع جالياتها المقيمة في أوروبا، وأن تشرع في إدارة حوار فاعل وديمقراطي مع كافة التيارات السياسية والإثنية بغية التوصل إلى تسوية الخلافات معها.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر