الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

صاحبه لم يعد في حاجة إليه!

في لندن ذهب لورنس إلى المتحف البريطاني، وقال للمدير إن هذا الشيء ثمين، وأنه يجب أن يكون في المتحف.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/12/27، العدد: 9421، ص(24)]

نشرنا هنا في جريدة “العرب” قبل أيام، مقالا عن شخصية ملأت الدنيا وشغلت الناس وكان ما كتبناه عن لورنس العرب، البريطاني الذي ذهب إلى الشرق كعالم آثار، ليصبح ضابطا ومخططا عسكريا، وليترك المشرق العربي أطلالا من الدول والخرائب ما زالت تعاني من ذلك التعاطف القاتل الذي أبداه لورنس تجاه ثورة العرب تلك الأيام.

اللافت أن القراء الكرام انتبهوا إلى الاتهام الجنائي الذي ورد في المقال، والذي تثبته وثائق الحكومة البريطانية في تلك الفترة، وما يزال سببه قائما حتى اللحظة، مع الدليل على الجريمة التي ارتكبها لورنس بنفسه حين دخل دمشق منتصرا على لا أحد، فقد انسحب الجيش العثماني قبل أن تطلق رصاصة واحدة في القدس ودمشق، ودخلت جيوش الجنرال اللنبي وجيوش فيصل بن الحسين والجيش الأسترالي المساند من جهة الشرق، انشغل “الفاتحون” بالغنائم، وبحث البدو عن كنوز الذهب المخبأة في أقدم عاصمة مأهولة عرفتها البشرية، واحتج أحد شيوخ العشائر بأنه لن ينتفع بأي شيء من الإدارة التي سلموها له، فماذا سيقدّم للمضارب من شركة الكهرباء!

الأمر الذي دفعه إلى الرحيل عائدا من حيث أتى، وقال الشاعر عن فتح فيصل لدمشق حينها بيت الشعر الشهير: “بسيفكَ أم بسيفِ الإنكليزِ؟..دخلتَ الشام إيزي ثم إيزي؟”.

ولكن تلك الأيام شهدت تسلّلا غير عادي، كان يقوم به بطل تلك الثورة بلا منازع، لورنس، الذي ترك الفوضى والكوليرا التي انتشرت، ومفاوضات فيصل مع الجنرال اللنبي، حين رفض فيصل الطلب البريطاني بأن يكون لديه مستشارون فرنسيون، وقال إنه يفضّل أن يكونوا من “الإخوة الصهاينة”، فهم يفهمون القضية العربية بشكل جيد، (كما نصّت وثائق المباحثات في الأرشيف البريطاني)، ترك لورنس هذا الجدل العقيم، وذهب ليزور قبر شخص يهمّه ويعني له الكثير في دمشق القديمة، وحين اقترب منه عثر على ما خفّ حمله وارتفع ثمنه، فدسّه في كيسه العسكري، وطلب من الجنرال مغادرة سوريا والعودة إلى بريطانيا.

في لندن ذهب لورنس إلى المتحف البريطاني، وقال للمدير إن هذا الشيء ثمين، وأنه يجب أن يكون في المتحف، فقال له: ما هذا؟ أجاب لورنس: إكليل من البرونز أتيت به من دمشق، سأل المدير: وكيف حصلت عليه؟ قال لورنس: “سرقته.. لأن صاحبه لم يعد في حاجة إليه بعد الآن”، فقبله المدير، ثم تم إنشاء متحف الحرب البريطاني الإمبريالي كما يسمّى، في العنوان London SE1 6HZ، وتم وضع الإكليل البرونزي ضمن مقتنيات المتحف، وضمن الأشياء التي تعود ملكيتها لمن أهدي إليه الإكليل من الإمبراطور الألماني غليوم الثاني.. وكتب عليه “من غليوم الثاني قيصر ألمانيا وملك بروسيا تذكارا للبطل السلطان صلاح الدين الأيوبي.. فارس بلا خوف ولا ملامة، علّم خصومه طريق الفروسية الصحيح”.. والشكوى لله يا عرب.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر