السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

عبدالحسين عبدالرضا 'حسينوه' الذي عشنا معه وعاش معنا

مهمة المضحك أو الكوميدي العربي ليست التهريج ولم تكن يوما التهريج، رغم الانحطاط الفني العربي الذي يشوب العصر الحديث كله.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/08/19، العدد: 10727، ص(13)]

عملاق كوميدي أسمع الخليجيين ما لا يحبون فتعلقوا به أكثر

برلين - منذ بدايات التلفزيونات العربية وقبلها خشبات المسرح وفرقه، أخذت أجيال تظهر في هذا البلد أو ذاك، مقتحمة مجالات الترفيه عبر تلك الفنون، لكن هذا الترفيه ارتبط بمهمة أساسية قلما ينتبه إليها الباحثون والمؤرخون المعاصرون في أيامنا هذه.

لقد كان الممثلون الكبار ومعهم المغنون يكملون، دون تردد، الدور الريادي في تنوير المجتمعات وتثقيفها وانتقاد عيوبها، ولو نظرنا إلى الوراء بانورامياً، فسنرى أن اتفاقاً مضمراً غير مقصود جمع جهود عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وعبدالله النفيسي في الكويت بعادل إمام وقبله عبدالمنعم مدبولي وآخرين في مصر بنهاد قلعي وعبداللطيف فتحي وغيره في سوريا وجعفر السعدي قاسم الملاك والرواد في العراق ومحمد الطويان وجيله في السعودية وغير هؤلاء وغير تلك البلدان.

إذن فمهمة المضحك أو الكوميدي العربي ليست التهريج ولم تكن يوما التهريج، رغم الانحطاط الفني العربي الذي يشوب العصر الحديث كله.

وهكذا كان على أجيال من المضحكين العرب أن تتصدى لقضايا هامة وحساسة، قصّر أو غفل أو تجنب المثقفون والسياسيون مواجهتها، فصارت مهمتهم مضاعفة، وصارت عباراتهم المضحكة من الواجب أن تتضمن ما له معنى نقدي، يعالج إشكالاً اجتماعياً أو دينياً أو وطنياً أو سواه.

ومنذ مسسل “درب الزلك” الذي ظهر فيه الشقيقان حسينوه وسعد وخالهما “كحطة” لم تتوقف أرتال من الظواهر الفنية، ليس فقط في الكويت، ولكن في منطقة الخليج كلها، وربما العالم العربي، شاهدت المسلسل، وتأثرت به، كما شاهدناه وتأثرنا به، وتعلمت منه اللهجة الكويتية القريبة من العراقية، ومن جنوبي العراق بتحديد أكثر، ومن خلاله أحببت الشخصية الكويتية والخليجية، وعرفت أشياء عن البحر والصيد والبيوت الطينية والفقر ثم الطفرة النفطية التي غيرت كل شيء.

كان “حسينوه” هذا عائداً من مصر التي ذهب إليها لدراسة الطباعة ليعمل موظفاً في مجال الطباعة ذاته، حينها ألقي القبض عليه، بتهمة تزوير العملة عن طريق الخطأ. لكنه واصل عمله في مجاله إلى جانب التمثيل، حتى سن التقاعد أواخر السبعينات.

اسم حسينوه بحدّ ذاته يلخّص قصة ذات أهمية تعكس أمراض المجتمعات العربية، فعبدالحسين عبدالرضا ولد فنياً في زمن هيمن فيه الجهل والتخلف في ظل تحكم وسائل الإعلام الرسمية آنذاك، والتي أرادت ألا تستفز السلفيين الوهابيين باسمه الحقيقي “عبدالحسين عبدالرضا” فاختارت له اسما آخر؛ “حسين عبدالرضا”، وكان على شارات البداية والنهاية أن تحتفي باسم شخص آخر غير الممثل الشاب الموهوب صاحب الطاقة الهائلة على التمثيل والغناء والحركة. بالطبع الأمر ذاته فعلته تلك الرقابات مع ممثلين من جنسيات مختلفة، من بلاد الشام وشمال أفريقيا، فاختارت لعبدالمسيح اسم عبدالإله على سبيل المثال.

لكن عبدالحسين عبدالرضا لم يكن يهتم بهذا، كان قادراً بموهبته على أن يوصل أيّ رسالة يريدها، دون حواجز، ما دام قد كسر الحاجز الأخطر والأكثر صعوبة، حاجز الجماهير، فصار نجماً محبوباً من عشرات الملايين التي تنتظر ظهوره وتتابعه، بعد أن شارك في أول عمل مسرحي باللغة العربية الفصحى، وكان بعنوان “صقر قريش” في العام 1961. وهي المسرحية التي ساهمت الصدفة في نجاحه فيها، حيث كان بديلاً للممثل عدنان حسين، وكان هناك من يراقب ذلك إنه المخرج زكي طليمات الذي صنع النهضة المسرحية في الكويت والخليج.

عاصفة من النقد انهالت على شيخ موتور بعد تحريمه الدعاء لعبدالرضا، ما دفعه إلى الاعتذار لكن اعتذاره رفضته الغالبية ومنها الفنان ناصر القصبي

ولد عبدالرضا في دروازة عبدالرزاق بفريج العوازم شرقي الكويت في العام 1939، وكان والده بحاراً. تعلم حتى المرحلة الثانوية وتوظف في وزارة الإرشاد والأنباء، وهي التي ابتعثته إلى القاهرة أواسط الخمسينات من القرن العشرين. أسرته كانت تهتم بالفن ولا يعرف إن كان هو من جذب أفرادها إلى الفن أم هم من جذبوه، فشقيقه أمير فنان مسرحي وابن عمه المطرب القدير غريد الشاطئ.

ما الذي فعله عبدالرضا

شخصية عبدالحسين عبدالرضا شخصية مركبة تبدو منسجمة في ظاهرها مع البيئة والمحيط، لكنها في واقع الأمر تنطوي على ثورية هائلة تجلت في الأفكار التي عرضها على الكتّاب لتحويلها إلى مسلسلات وأوبريتات، لا سيما أوبريت “بساط الفقر” الذي يصف علاقة حب بين فتاة شابة وفقير يبدو أنه “موظف” لا يملك من الدنيا سوى بساط يمكن أن ينتقلا به إلى أصقاع الأرض، وهناك يريان المجتمعات وكيف تعيش، وكان هذا الشاب الذي أخذ دوره عبدالرضا يطلق على بساطه اسم “بساط الفقر”، وقد رافقته في رحلته تلك الممثلة سعاد العبدالله وتعربش على أطراف البساط منافسو الشاب الفقير إبراهيم الصلال ومحمد جابر، وسيطير بهم البساط إلى العراق ثم إلى مصر ولبنان والهند، حين سيسرق منهما، ليبقيا في الهند حتى يصبحا عجوزين فقيرين عاشقين.

من خلال شراكته مع سعاد العبدالله تمكن عبدالرضا من تقديم كل ما يمكن تقديمه من أطوار الإنسان في الخليج، فقدم الإنسان البسيط ضحية صديقه الانتهازي في “عزوبي السالمية” وغيرها من الأنماط المنتشرة في المجتمع.

باي باي لندن

حين قدم عبدالرضا مسرحتيه “باي باي لندن” لم يكن أحد من الممثلين العرب يجرؤ على انتقاد الحياة الاجتماعية في الخليج، لأسباب عدة، غالبيتها تدخل في باب المجاملة وعدم الرغبة في خسارة التمويل أو حتى عدم الرغبة في التدخل في شون الغير، لكن “باي باي لندن” كانت نقداً جارحاً عميقاً وجريئاً، مسرحية كوميدية وسياسيه واجتماعية تدور حول رجل مسنّ يسافر إلى لندن وينبهر بها ويبذل ابن أخيه جهده لينقذه من السارقين في لندن. ليرى هناك مجتمعاً عربياً من الخليج إلى المحيط، مليئاً بأمراض العرب ذاتها، وليناقش في المسرحية هموم العرب ذاتها.

وكانت من ﺇﺧﺮاﺝ المنصف السويسي مسرحيا وتلفزيونيا أخرجها كاظم القلاف، وشارك عبدالرضا في بطولتها العديد من النجوم منهم داود حسين وغانم الصالح وهيفاء عادل.

أظهر عبدالرضا في “باي باي لندن” كل المسكوت عنه في رحلات رجال الأعمال الخليجيين إلى السياحة، والفصام القائم ما بين مجتمعاتهم المحافظة والحرية التامة التي يحظون بها في السفر. وعرض الحالات الإيجابية والسلبية معاً.

مسرحيته “باي باي لندن” حين قدمها عبدالرضا لم يكن أحد من الممثلين العرب يجرؤ على انتقاد الحياة الاجتماعية في الخليج

سوق المناخ الحقيقي

بعد ذلك توجه عبدالرضا إلى الطفرة المالية، وما عرف بـ”سوق المناخ” الذي واكبها، وإذا سألت اليوم مواطناً خليجياً “هل تعرف سوق المناخ؟” فسيجيبك على الفور “إنه عنوان مسرحية لعبدالحسين عبدالرضا”، فقد طغى عنوان مسرحيته على الظاهرة التي صنع المسرحية أصلاً لمعالجتها.

أما سوق المناخ الحقيقي فهو سوق الكويت للأوراق المالية غير الرسمي والذي بقي يعمل حتى العام 1983، وكان يتم تداول الأسهم فيه دون الخضوع لرقابة أو أنظمة حكومية. ويقع في منطقة القبلة وسط العاصمة.

في هذه المسرحية اقتبس عبدالرضا لحنا من أغاني أبوبكر سالم بلفقيه، وكلّف أحد الشعراء بوضع كلمات له، فدرجت الأغنية “والله لبنيلك بيت عند الدب الأكبر”. وليواصل نقده لظواهر المجتمع الخليجي والعربي دون تردد.

سيف العرب

رغم كل تلك المسيرة العربية القومية التي حفلت بها اهتمامات الكويت رسمياً وشعبياً، إلا أن عبدالرضا تعرّض لصدمة كان هو أول من قاومها، تمثلت في اجتياح القوات العراقية للحدود واحتلال الكويت الذي دام شهوراً، رفض عبدالرضا فيها مغادرة الكويت، وبقي حتى اللحظة الأخيرة، وفي يوم التحرير، خرج على الإعلام ليقول “لا يجب أن نعمّم حكمنا على الشعب

العراقي، فهم إخوتنا ومنا وفينا، وليسوا مثل بعض الجنود المأمورين”، في الوقت الذي كانت قد بدأت تخرج فيه أصوات تنادي بأن لا يبقي الأميركيون في العراق “حجراً على حجر”.

اعتبر عبدالرضا أن خصمه في هذه اللحظة هو صدام حسين شخصيا، ولذلك فقد قرر المغامرة بتقليد شخصيته في مسرحية مخصصة للحديث عن الغزو. فاختار للمسرحية الاسم الذي أطلقه العرب ومن بينهم الكويتيون على صدام حسين “سيف العرب”. وظهر مرتدياً البدلة العسكرية متنكراً في شخصية الرئيس العراقي الراحل.

لكن عبدالرضا، رغم جرأته تلك، لم يسخر من الشخصية العراقية، ولم يزدر التراث العراقي الشعبي كما فعل البعض، وغنّى العديد من الأغاني الشعبية العراقية بصوته الشجيّ.

وبقي الفنان العملاق كما يسمّى في الخليج، يتنقل من ظاهرة إلى ظاهرة، ناقلاً المتعة معه، ومعهما الفكرة والنقد، سواء في حياته أو حتى بعد مماته، فلن ينسى العرب أن شيخاً موتوراً أطلق تغريدة تحرّم الترحّم على عبدالحسين عبدالرضا، والصلاة عليه، لكونه شيعيا. إنه الداعية السعودي علي الربيعي الذي أحدث جدلا واسعا بعد دعوته لعدم الدعاء عبدالرضا، قائلا “إنه مات على ضلالة”.

وقال “لا يجوز للمسلم الدعاء لعبدالحسين عبدالرضا لكونه رافضيا إيرانيا مات على الضلالة وقد نهى الله المسلمين أن يدعو بالرحمة والمغفرة للمشركين”.

لكن عاصفة من النقد انهالت على هذا الربيعي الذي عبّر عن موقف طائفي صرف، ما دفعه إلى الاعتذار عن تغريدته تلك، لكن حتى هذا الاعتذار لم يجد قبولاً عند كثيرين ومن بينهم الفنان السعودي ناصر القصبي.

يبقى عبدالحسين عبدالرضا أيقونة عربية للفن والإضحاك والإمتاع، صاحب معلمية كبيرة، يندر وجودها اليوم، في تقنيات التمثيل، وفي الاسترخاء أثناء الأداء، والحيوية وسرعة البديهة والارتجال، ناهيك عن شجاعة قلما ظهر مثلها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر