الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

وهم تقارب الأحزاب الجزائرية

هل يمكن لفسيفساء الأحزاب الجزائرية المتناقضة والمتشظية أن تتفق على صنع فضاء التقارب السياسي فعلا وأن يصدر عنها برنامج وطني موحد.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/08/24، العدد: 10732، ص(8)]

تعاني الحياة السياسية الجزائرية من تفاقم مشكلة غياب الرؤى الموحدة أو حتى التقارب السياسي الشكلي بين أوساط الأحزاب الجزائرية المعارضة، وزيادة على ذلك فإن أحزاب الموالاة نفسها التي تتظاهر بأنها تنسق في ما بينها أو تكمل بعضها البعض لم تسلم بدورها من هذه الآفة، حيث أنها لا تملك أيضا أي مشروع سياسي مشترك أو أي منهج عمل تكاملي منسجم يمكن أن يجسد هكذا مشروع، ما عدا الاتفاق الحاصل بين قياداتها وهو ممارسة التطبيل للنظام الحاكم الذي أنشأها وكان ولا يزال يرعى وجودها ماديا ورمزيا.

في هذا الإطار يمكن فهم المضمون المضمر للدعوة التي تقدم بها عمار غول رئيس حزب تجمع أمل الجزائر (تاج) والتي طالب فيها الأحزاب الجزائرية بأن تعمل معا لخلق ما يسميه بفضاء التقارب السياسي، بأنه يرمي من خلاله في الحقيقة إلى طمس الحقائق وخاصة التمزق البنيوي الذي تتميز به الحياة السياسية الجزائرية سواء على مستوى السلطة الحاكمة، أو على مستوى الرأي العام الوطني، أو على مستوى التشكيلات السياسية المهيكلة في الأحزاب أو بين أوساط جمعيات المجتمع المدني. فالسيد غول يغطي هذا التمزق البنيوي بافتعال وجود إرادة جماعية وهمية لمواجهة المشكلات المستعصية التي تهدد الاستقرار الوطني وفي صدارتها التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فهل يمكن لفسيفساء الأحزاب الجزائرية المتناقضة والمتشظية أن تتفق على صنع فضاء التقارب السياسي فعلا وأن يصدر عنها برنامج وطني موحد؟

ينبغي التوضيح أن الشروط المطلوبة لخلق التقارب السياسي في مشهد الحياة السياسية الجزائرية منعدمة، كما أن النظام الجزائري لن يسمح لأحزاب الموالاة أن تتحرك بمرونة وأن تحاور فعليا أحزاب المعارضة، وفضلا عن ذلك فإنَ طبيعة النظام الجزائري الموروثة عن ذهنية الحزب الواحد تؤكد أنه لن يقبل أن تتحرر الأحزاب الجزائرية من هيمنة العقلية الدكتاتورية، وأن تلعب الأحزاب الدور الفعلي سواء في تشكيل الحكومة التنفيذية ومراقبة أعمالها وكذا أعمال أجهزة الدولة الأخرى التي تصنع وتنفذ القرار السياسي، أو أن تمارس المعارضة الحقيقية لأن الدور المرسوم لها مسبقا من طرف النظام لا يتجاوز سقف تبرير وجوده، وبالمثل فإن الدور الوحيد المسموح به لأحزاب الموالاة هو التطبيل له والدفاع عنه لا أكثر ولا أقل.

يمكن اعتبار دعوة رئيس حزب تجمع أمل الجزائر، إلى إنشاء فضاء للتقارب السياسي بين فسيفساء الأحزاب الجزائرية في هذا الوقت بالذات ليست بريئة، بل تدخل في إطار تنفيذ مسلسل استراتيجيات النظام الجزائري الهادفة إلى إشغال الرأي العام الوطني بالشكليات وإلى إلهاء المعارضة بشكل خاص بمثل هذه الدعوات الفضفاضة والمتكررة التي لم تجد في الماضي والحاضر، ولن تجد في المستقبل، طريقها إلى التطبيق وذلك جراء تناقضها مع حقائق الواقع السياسي الجزائري الذي لا مكان فيه للممارسات الجماعية التوافقية أو الديمقراطية التشاورية أو التكاملية أو على الأقل للحوار السياسي الجاد بين التيارات السياسية الذي يمكن أن يفضي إلى إنتاج سياسات إيجابية على أساس التوافق والإجماع حول أمهات القضايا الوطنية الكبرى.

عمار غول يعرف تماما أن أحزاب الموالاة الجزائرية نفسها لا تملك المصداقية في الجزائر العميقة الأمر الذي لا يؤهلها لأن تلعب دور المحرك الديناميكي للحياة السياسية في البلاد، ومن جهة أخرى فإنه يدرك أن العمل الحزبي في الساحة السياسية الجزائرية لا يتعدى في الوقت الراهن حدود السماح بالمشاركة الشكلية في الانتخابات البلدية والولائية والبرلمانية التي لم تثمر على مدى 18 سنة أي مشروع وطني يمكن أن يؤسس لتحول نوعي وتحديثي يمس جميع البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في المجتمع الجزائري.

المشكلة التي يعاني منها الطرح الذي تقدم به رئيس حزب أمل الجزائر تتمثل في كونه يضع الحصان خلف العربة بمعنى أنه يدعو إلى خلق فضاء التقارب السياسي بين الأحزاب في ظل غياب التأسيس الفعلي لمشروع التنمية الوطنية الجماعي الذي يؤدي إلى خلق المناخ لتشييد معمار التقارب السياسي المنشود، وأكثر من ذلك فإنه من المستحيل وضع اللبنات الأولية لبناء أي تقارب سياسي يجمع شمل أحزاب سياسية لم تفك الارتباط بثقافة الحزب الواحد وحكم الرجل الأوحد والتي لا تجمعها أيضا عقيدة تنويرية موحدة أو قضية وطنية كبرى أو مشروع تحديثي متفق عليه جماعيا.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر