الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

محمد الغزالي.. ذكريات سنوات الضلال

الغزالي في شهادته بالمحكمة أدان الضحية، وقال إن فودة 'كافر ومرتدّ.. ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/12/31، العدد: 9425، ص(8)]

من يعرف التربية الإخوانية يلتمس العذر لشباب الجماعة، الهائمين في ضلال لا فكاك منه إلا بمعجزة، ويوقن بأن الحل الأمني لن يجدي في ردعهم، والسياسي لن يفيد في سراب الاندماج.

يوحي اسم جماعة الإخوان المسلمين أنها تستأثر بالإسلام، دون غيرها من المسلمين. في عام 1951 خرج الشيخ محمد الغزالي من الجماعة، واستنكر أن يعتبر الإخوان أنفسهم “جماعة المسلمين”، وقبل انتخابات الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق ببضعة أيام، أنعش المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف ذاكرتنا بذلك الجدل، إذ قال المرشد السابق بثقة ويقين إن “مرسي مرشح الله والثورة”. وفي هذا إقحام لله في صراع سياسي، وشيطنة لشفيق واعتباره مرشح إبليس.

في فترة التيه، أيام الجامعة، توثقت علاقتي بنجوم اليسار.. سيد حامد النساج، ومحسن الخياط، ورجاء النقاش وفريدة النقاش ومحمد روميش، وكنت أزور محمود أمين العالم في بيته في عمارة إيزيس، واتخذت من صداقة روميش بيحيى حقي وسيلة للاتصال بصاحب القنديل، ولم أكن قد رأيته. سألني يحيى حقي يوما عن معنى لقبي “القرش”، وقدم لي تفسيرا ثالثا نسيته، وقال: “روميش أهم وأكبر قارئ في مصر”. وكنت مشتتا أبحث عن يقين، وكان الشيخ محمد الغزالي يحظى باحترام وكنت أتصل به، وفي يوم 31 يناير 1989 قابلته في بيته. رأيته سمحا، وفرحت بهداياه وأولها كتابه “حصاد الغرور”، وكتب بخط جميل هذا الإهداء: “إلى ابننا العزيز سعد القرش. مع دعوات التوفيق”، ولم يكتب إهداء على كتب أخرى أهداها إلي ومنها “مستقبل الإسلام خارج أرضه.. كيف نفكر فيه؟”، و”الحق المر”، و”الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر”. وذات مرة سألته عن المسيخ الدجال فغضب، وقال: دعك من هذه الأوهام، وسألته في أمر فقهي، فأجاب بتواضع: اسأل الدكتور القرضاوي. ولعله ظنّ أنني ما دمت أعرفه فلابد أن لي علاقة ما بالقرضاوي.

كلا العالمين يغري. صداقتي بمثقفين بارزين “ملتزمين”، راهنوا علي وأحبوني، ومنحوني ثقتهم وأنا طالب لا أعد بشيء أكثر من كتابة القصة القصيرة، وتعرفي إلى رموز يمين منغلق على قشرة صلبة ولكنها هشة، ولا يحسن إلا توجيه أصابع الاتهام إلى أي آخر وشيطنته. أعود من لقاء الشيخ الغزالي وأقرأ تحت عنوان “الحاقدون على الشريعة” في كتابه “الحق المر”: “والذي جرأ هؤلاء على الإسلام وكشف ضغائنهم ما شاع من أن القوى الكبرى المعادية للإسلام قررت مخاصمة العودة إلى التشريع الإسلامي، وهددت من يفعل ذلك، وتلك إشارة البدء بالهجوم على الإسلام كله واقتلاعه من جذوره.. لقد خرجت الأفاعي من جحورها تتحدث عن الإسلام بحقد غريب. ولما كانت الدساتير الموضوعة تقرر أن الإسلام دين الدولة والمصدر الرئيسي لتشريعها فلا مناص من دفع أولئك الحاقدين بأنهم يريدون نقض البناء الاجتماعي لحساب قوى خارجية، وأنهم يقترفون جريمة الخيانة العظمى، أو بتعبير الإسلام يرتكبون جريمة الارتداد. إن محاربة التطرف لن تكون أبدا سبيلا لمحاربة الإسلام نفسه ولن ندع هؤلاء يمضون في عبثهم الشائن”.

وتحت عنوان “لماذا يكرهون الدولة المسلمة” يردد كلاما مجانيا عن الاستعمار الثقافي، وأنصار الديمقراطية الذين يريدون “حرية الإسفاف والنزوات، أو حرية الفسوق والعصيان.. إذا كان الإسلام دينا ودولة، فأنتم تكرهون الدولة المسلمة، لأنكم تكرهون الدين نفسه”. وتحت عنوان “المطالبون بالعلمانية آثمون” يسجل بيقين الفقيه أن العلمانية “شعارها تغيير الفقه والتشريع وتغيير الأدب والتربية وتغيير العلاقة بالله”.

وكنت أستمع يوميا إلى أم كلثوم في إذاعة تحمل اسمها، بداية من الساعة الخامسة عصرا، ثم ساعة أخرى في ختام الإرسال، وبين الساعتين ما تيسر من أغنيات فايزة أحمد وفيروز وليلى مراد ونجاة وشادية وعبد المطلب ومحمد قنديل، وصدمني رأي الشيخ الغزالي في فصل عنوانه “أرفض الغناء” قال إنه يستمع إلى أغنية “فلسطين” لمحمد عبد الوهاب. ويقول مطلع الأغنية: “أخي جاوز الظالمون المدى”، وهي قصيدة للشاعر علي محمود طه “فتشجيني وأتجاوب معها، ثم أسمع للشاعر نفسه والمغني نفسه قصيدة (كليوباترة) فأغلق الراديو وألعن الكلمات وملحنها ومذيعها”. (محمد الغزالي: الحق المر).

أقرأ للغزالي في الكتاب نفسه فصلا عنوانه “الماركسية قمة الإلحاد”، ويدهشني الاتهام السهل لماركسيين أصادقهم ولا أجد منهم عداوة للدين ولا المتدينين، وأراهم أكثر إخلاصا للوطن واحتراما لروح الدين. محمد روميش، الذي منحوه لقب “الأب المقدس روميش” كان يعمل إلى الخامسة تقريبا بعد انصراف الموظفين. أعود إلى ما كتبه عن يحيى حقي وأقارنه بسهام الشيخ الغزالي فأقول: “ما أرحم الماركسيين بالناس والوطن الذي هو دين الناس، وما أبعدهم عن فظاظة الإسلامجية وغلظتهم وخشونة ألفاظهم وسلوكهم”. يسجل روميش أن يحيى حقي شكا ألما عام 1973، وسافر إلى باريس لإجراء جراحة، وقضى أياما في كشوف تمهيدية، “وفي اليوم المحدد لإجراء الجراحة سمع من الراديو عن قيام الحرب. وفورا كتب اعتذارا للمستشفى عن إجراء الجراحة.. تجمع حوله الأطباء دهشين. أخبرهم ببساطة- مثلما أخبرني عن اعتذاره للجامعة الأميركية (التي أرادت نشر طبعة لأعماله الكاملة بمبلغ كبير، وقيام فريق بحث بجمع أعماله)-: لا يمكن أن أتعالج هنا وأبناء وطني يحاربون هناك.. ثم عرف أن الطيران إلى القاهرة مقطوع. فأخذ طائرة إلى إيطاليا، وطائرة أخرى إلى ليبيا، ومن ليبيا ركب سيارة إلى الإسكندرية فقطارا إلى القاهرة، لألتقي به في ميدان طلعت حرب، يضرب بعصاه الأرض”. (محمد روميش: مشوار مع يحيى حقي. مجلة “أدب ونقد” / نوفمبر 1987). تلك آراء شيخ يقال إنه وسطي ينبذ التطرف، وقد خرج من جماعة الإخوان، اعتراضا على تشددهم، فماذا يكون دين الإخوان؟

لم يعتذر الإخوان عن جرائم التنظيم الخاص، بل إن المرشد السادس للجماعة، مأمون الهضيبي، وهو ابن حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة، قال في مناظرة مع فرج فودة في معرض القاهرة للكتاب، مطلع عام 1992: «نحن نتعبد لله بأعمال النظام الخاص قبل ثورة 1952». حملت تلك المناظرة عنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، وكان محمد أحمد خلف الله وفرج فودة يمثلان التيار المدني، في مواجهة الهضيبي ومحمد الغزالي ومحمد عمارة. وقد احتشد لممثلي اليمين الديني جمهور كبير، تواصلت هتافاته قبل بدء الندوة: “الله أكبر ولله الحمد”، ورددوا نشيد الإخوان: “الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، وبدا المشهد في القاعة إعلان حرب بين الإسلام والعلمانية، وليس مناظرة علمية يؤخذ من كلام المشاركين فيها ويرد.

بعد ستة أشهر من تلك المناظرة قتل فرج فودة، يوم 8 يونيو 1992، قتله شابان بعد فتوى بكفره. لم يستنكر الإخوان القتل ولا الفتوى، بل إن الغزالي في شهادته بالمحكمة أدان الضحية، وقال إن فودة “كافر ومرتدّ.. ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئاتا على حق السلطة ولكن ليس عليه عقوبة”، وأوضح أن خطأ الشابين ليس قتل الرجل الأعزل، بل افتئاتهما على القيام بما يجب أن تقوم به السلطة، والسلطة الحاكمة آنذاك لا تخضع لدين جماعة الإخوان.

لا أثق بجدوى إقناع من تلقوا تربية إخوانية بأن ينحازوا إلى العقلانية، ويؤمنوا بالوطن. ألتمس لهم العذر، وأعتبرهم مرضى يحتاجون إلى الشفقة لا العقاب، ويبقى الرهان على نسف مناهج التعليم الحالية، على أن تستبدل بها مناهج عصرية، تغرس ثقافة الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين الناس الذين لا وصاية لأحد على ما يعتقدون، فلو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم. هذا هو الرهان.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر