الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الحمدلله

'رسخ عبدالرحمن الداخل في الوعي العربي طويلا، واستمرّ رمزا للعرب في القرن العشرين، حتى اتخذوا من الصقر شعارا لهم'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/01/03، العدد: 9427، ص(24)]

خرج من دمشق طريدا، ومشى على امتداد البادية الجنوبية إلى مصر، ثم شمال أفريقيا كلّه، وعبر مضيق جبل طارق سباحة، حتى وصل إلى البرّ الأسباني، ودخله رجلا واحدا، ليجمع من حوله الناس، وليحكم ثلاثة وثلاثين عاما ويعيد بناء الشام في الأندلس، عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم، الداخل، الذي ولد في العام 731 للميلاد.

وفي عمر الخمس سنين، توفي والده، فعاش يتيما صنع نفسه بنفسه، وقد رسخ عبدالرحمن الداخل في الوعي العربي طويلا، واستمرّ رمزا للعرب في القرن العشرين، حتى اتخذوا من الصقر شعارا لهم، نسبة إلى عبدالرحمن الداخل، وما فرّ منه عبدالرحمن بعيدا، كان ما تعرضت له دمشق ذاتها التي شهدت الثأر التاريخي الذي مارسه العباسيون حين دخلوها، باسم البيت ونصرة آل البيت، وكان قائدهم محمد النوفلي أول ما دخل دمشق دخلها بالسيف في ثلاث ساعات، وجعل المسجد الأموي سبعين يوما إسطبلا لدوابه، ثم نبش قبور بني أمية، فلم يجد فـي قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبــدالملك بن مـــروان، فوجد جمجمة، أما قبـــر هشام بن عبدالملك، فقد وجده صحيحــا، فضربه بالسياط وهو ميت، وصلبه أياما، ثم أحرقه بالنار، ونثر رماده في الريح.

ولكن روى التاريخ أن أبا جعفر المنصور كان أول من أطلق على عبدالرحمن بن معاوية لقب صقر قريش، إذ جلس يوما في أصحابه، فسألهم: مَن ِمن الملوك صقر قريش؟، فقالوا له: أنت يا أمير المؤمنين فقال: لا، قالوا: فهو معاوية، قال: ولا هذا، قالــوا: فعبدالملك بن مروان، قال: لا، قالوا: فمـــن يا أمير المؤمنين؟، قال: “هوعبدالرحمـــــن بن معاوية الذي تخلّــص بكيده عن سنن الأسنة.. وأقـــام ملكا بعد انقطاعه بحسن تدبيره، وشدة عزمه”، ثـــم أضاف: “فالحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر”، وقد كانت قبل ذلك لعبدالله بن الزبير أرض قريبة من أرض لمعاوية مؤسس الدولة الأموية، فيها عبيد له، فدخلوا في أرض عبدالله، فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإنه يا معاويـة، إن لم تمنــع عبيــدك من الدخــول فــي أرضي، وإلا كـــان لي ولك شأن، فلمــا وصل الكتــاب إلى معاوية عرضه على ابنه يزيد، و قال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تـُنـفذ إليه جيشا أوله عنده وآخــره عنــدك يأتونـك برأسه، فقــال: يا بني، عندي خيـــر من ذلك، عليّ بدواة وقرطـــاس، فكتب: وقفـت على كتابــــك يا ابن حواريّ رسول اللــــه، وساءني والله ما ساءك، والدنيا هينة عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي رقما بالأرض والعبيد، وأشهدت عليّ فيه، ولتُضف الأرض إلى أرضك، والعبيد إلى عبيدك والسلام.

فلما وصل الكتاب عبدالله، كتب إليه:‏ ‏وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، فلا عدم الرأي الذي أحلّه من قريش هذا المحل والسلام،‏ فلما وصل الكتاب معاوية، رماه إلى ابنه يزيد، وقال له: “يا بنيّ إذا رُميت بهذا الداء، فداوه بهذا الدواء”.

أردتُ الحديث عن صقر قريش.. الحمد لله الذي جعل بينهم وبينه البحر.. وإلا لما سمعنا بالأندلس وحضارتها.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر