الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

تقسيم سوريا هل يبدأ من خاصرتها الرخوة؟

تباينت مواقف القوى والأحزاب الكردية من الثورة السورية، ففي حين انخرطت بعض تلك الأحزاب في الثورة، اتخذت بعض الأحزاب الأخرى موقفا مناوئا تحت ذرائع مختلفة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/08/13، العدد: 9288، ص(8)]

بعد سايكس بيكو بحوالي قرن ما تزال مفاعيل تلك القسمة للتركة العثمانية، التي كانت أولى حساباتها رسم جغرافيات لأوطان بعضها محدث، وبعضها ناقص، أو معدل أو مسكوت عنه.

وعندما ورثت تلك الكيانات جغرافيتها السياسية ظلت بعض الخطوط المرسومة لتخومها متداخلة لخلق مشاكل دائمة، يمكنها أن تفجر الوضع بين تلك الكيانات في المستقبل. في إطار هذه التجاذبات استطاع الأتراك خلال الحرب العالمية الثانية أن يساوموا الغرب على تعديل حدود خارطتهم مع سوريا بانتزاع إقليم أسكندرون، في حين لم يرث العرب غير الانقسام ومشاكل الحدود، وغيِّب الأكراد من الحسابات السياسية من قبل راسمي خارطة المنطقة فرنسا وبريطانيا، لتصبح تلك القضية من أكثر القضايا المتفجرة التي تؤرق الأكراد، وتؤرق الدول الأربع التي توزع الأكراد عليها، تركيا والعراق وإيران وسوريا، حيث اتخذ الصراع في العراق وتركيا بسبب كثافة الوجود الكردي واتساعه بعدا أكبر وأعمق. وهكذا بدأ الصراع على الجغرافيا والتاريخ بين تلك الهويات القومية والأكراد. ومن خلال هذا التشابك والتداخل بين الإقليمي والإقليمي من جهة، والإقليمي والدولي من جهة ثانية اكتسبت المسألة الكردية تعقيداتها، سواء داخل البيت الكردي نفسه، وعلاقات القوى السياسية الكردية ببعضها البعض، أو على صعيد علاقة الأكراد بالبلد الذي باتوا ينتمون إليه.

رغم ما تتسم به المسألة الكردية في جغرافيات البلدان الأربع التي تتوزع عليها، من صفات عامة مشتركة إلا أن ظروفها والعوامل التي أثرت في تكوينها ومساراتها، ظلت تتمتع بخصوصيته نابعة من خصوصية التجربة التاريخية والاجتماعية، التي عاشها الأكراد في هذه البلدان. ومما يحسب للدولة الوطنية في سوريا، والتي تشكلت بعد جلاء المستعمر الفرنسي عام 1946 أنها لم تقم على أي أساس عرقي يستبعد الأقليات القومية الأخرى، وفي مقدمتها الأكراد، الذين كانوا في مقدمة صانعي تاريخ سوريا الحديث، بدءا من حسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري في سوريا، وليس انتهاء بخالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري منذ نهاية الثلاثينيات.

إن ما يفسر هذا الحضور الكردي الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية السورية هو أن الأكراد كانوا جزءا من النسيج السوري، ولعبوا دورا مهما في النضال الوطني ضدَّ المحتل الفرنسي، بقيادة إبراهيم هنانو أحد أهم رموز هذا النضال. ويكفي أن نعود للتسمية التي حملتها سوريا في ذلك العهد الجمهورية السورية لنرى انتفاء الصيغة الجامعة للدولة الوطنية، على خلاف ما حصل في المراحل التالية مع صعود المد القومي العربي، لاسيما في عهدي الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، والبعث بعد وصوله إلى السلطة في انقلاب 1963، إذ جرى إضفاء الهوية العربية عليها، ولذلك ليس غريبا أن تبدأ المشكلة الكردية بالظهور منذ تلك المرحلة التي بدا واضحا فيها محاولة طمس معالم الحضور الكردي في الجغرافيا، كما في الثقافة أيضا.

كان لإحصاء عام 1961 مفاعيله وتداعياته على وضع الأكراد السوريين، وهنا يتحمل زعماء الأكراد مسؤوليتهم عندما قاطعوا هذا الإحصاء بسبب مخاوفهم من صعود المد القومي العربي، وبتأثير من الصراع الكردي العراقي المحتدم آنذاك، ما أدى إلى جعل الآلاف منهم مكتومي الجنسية، وفي حين كان يمكن للدولة السورية أن تعيد دمج هؤلاء في المجتمع السوري من خلال إعادة منحهم للجنسية، إلا أن الأيديولوجية القومية لحزب البعث الحاكم بأفقها المنغلق ومحاولتها تعريب المجتمع السوري، قفزت فوق هذه المشكلة، وجعلت منها سيفا مسلطا على رقابهم تستخدمها لابتزازهم والضغط عليهم متى وجدت ذلك ضروريا. ولم تتراجع هذه السياسة حتى بعد أن أصبح البعث مجرد جثة في عهد ديكتاتورية حافظ الأسد ووريثه غير الشرعي الذي شهد أول انتفاضة كردية واسعة عام 2004 فعمل على قمعها بعنف الشديد.

مع انطلاق الانتفاضة الشعبية سارع النظام إلى رشوة الأكراد من خلال الإعلان عن استعداده لإعادة الجنسية لعشرات الآلاف من مكتومي الجنسية منهم في محاولة لتحييد الأكراد، والحؤول دون انضمامهم إلى الحراك الشعبي. إلا أن تلك المحاولة لم تحقق أهدافها لأسباب عديدة، في مقدمتها إدراك الأكراد أنهم أكثر فئات المجتمع السوري ظلما ومعاناة، وأن الحل الحقيقي لقضيتهم يكمن في قيام مجتمع ديمقراطي مدني تعددي يعترف بحقوق جميع المكونات الأثنية والدينية. ولذلك استمرت مشاركتهم في الثورة باعتبارها ثورة كل السوريين، ومن أجل جميع السوريين.

تباينت مواقف القوى والأحزاب الكردية من الثورة السورية، ففي حين انخرطت بعض تلك الأحزاب في الثورة، وانخرطت بعض الفصائل الكردية المسلحة في المعركة ضد النظام إلى جانب الجيش السوري الحر، اتخذت بعض الأحزاب الأخرى موقفا مناوئا تحت ذرائع مختلفة، ويعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الذراع السوري لحزب العمال الكردي مثالا واضحا، رغم كونه عضوا قياديا في هيئة التنسيق التي تميزت مواقفها بالتباين من مطالب الشارع السوري المنتفض.

النظام في محاولة منه لخلق بؤرة صراع تشتت جهود المعارضة، لجأ إلى الانسحاب من تلك المناطق، وتسليم مهمة إدارتها وحمايتها لما يسمى باللجان الوطنية التابعة لحزب الاتحاد بهدف الإيقاع بين هذا الحزب والأحزاب المؤيدة للثورة من جهة، ومن جهة ثانية لزجها في معركة مع الجيش السوري الحر في حال محاولة الأخير السيطرة على تلك المناطق. سارع حزب الاتحاد الديمقراطي إلى لعب دور الوكيل الشرعي للنظام في قمع القوى الكردية المناصرة للثورة من خلال اعتقال العديد من النشطاء الأكراد، بل والاشتباك المسلح مع بعض تلك الأحزاب بحجة الحفاظ على الاستقرار في تلك المناطق. النظام الذي يرتبط مع هذا الحزب بعلاقات قديمة رغم خيانته له عندما قام بتسليم عبدالله أوجلان للأتراك، عمل على تسهيل عمليات انتخابات برلمان ما يسمى غرب كردستان في 2011 في مسعى لتكريس سلطة هذا الحزب وحلفائه بهدف الحؤول دون انخراط القوى الكردية في التنظيمات السياسية أو العسكرية للمعارضة، وبالتالي خلق تحدّ جديد في وجه المعارضة، وهو ما تجلى في إصرار تلك القوى على مطالبها في الاعتراف بحقها في إقامة سلطة ذاتية لها في تلك المناطق بمباركة إيرانية علنية كما صرح بذلك صالح مسلم زعيم الحزب الديمقراطي الكردي والراعي الحقيقي لهذا المشروع. المعارضة السورية رأت في هذه الخطوة من قبل هذه الأحزاب محاولة لابتزازها مقابل انضمام الأكراد لصفوفها، خاصة وأن النظام لم يسقط بعد وهذه القضايا لا يمكن أن تحل إلا بالتوافق بين مكونات الشعب السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام.

الموقف الدولي الصامت حيال ما يجري من أحداث في تلك المناطق يثير الكثير من الارتياب حيال تصوراتها لمستقبل سوريا لأنه يشجع تلك القوى الكردية على متابعة سياساتها. كلنا يعرف الخلفيات الحقيقية للموقف الإيراني الذي يريد أن يبدأ الأكراد الخطوة الأولى على طريق التقسيم وإقامة الدولة العلوية، لأنه كان حريّا بالإيرانيين والقوى الكردية على حد سواء أن يعملوا أولا على نيل أكراد إيران لحقوقهم المهدورة هناك قبل أن يتبرع الإيرانيون لدعم توجهات أكراد سوريا لإقامة سلطتهم الذاتية. إن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تتقاطع مواقف الغرب مع الموقف الإيراني على هذا المستوى؟ لكننا عندما نعلم أن أميركا هي من صاغت دستور العراق القائم على المحاصصة الطائفية والقومية كخطوة أولى على طريق تقسيم العراق، وأنها من تركت العراق فريسة للهيمنة الإيرانية ندرك الجواب الحقيقي عن هذا السؤال.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

العالم الآن

:: اختيارات المحرر