الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

فخاخ الهوية الأمازيغية

مشكلة الهوية الأمازيغية في الجزائر، هي نتاج وعرض لإدمان النظر إليها كهوة فاصلة بين الإثنيات، وكتهديد للوحدة الوطنية، وللفشل الذريع، على مدى خمس وخمسين سنة من عمر الاستقلال.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2018/01/05، العدد: 10860، ص(15)]

على مدى أيام الأسبوع الماضي نشرت الصحف الجزائرية عددا من مقالات الرأي حول ترسيم السنة الأمازيغية في الجزائر من قبل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة دون استشارة المؤسسات التشريعية الممثلة للشعب وللقانون، مثل المجلس الدستوري والبرلمان ومجلس الأمة، ويلاحظ أن هذه المقالات ترفض في أغلبها الإجراء الذي قام به الرئيس بوتفليقة، وتشكك في آن واحد في جدوى هذا الترسيم أن يكون لبنة تعزّز الوحدة الوطنية.

من الواضح أيضا أن بعض كُتّاب هذه المقالات قد انتقد قراءة الرئيس بوتفليقة للتاريخ الجزائري القديم وقيامه بالخلط بين السنة الفلاحية الأمازيغية وبين السنة التقويمية الأمازيغية، ولقد حاول بعض المعلقين اعتبار ترسيم السنة الأمازيغية بمثابة محاولة من النظام الجزائري لحسم الانتخابات الرئاسية مسبقا لصالحه، وأكثر من ذلك فهناك من تهكّم بالقول بأن عدم تظاهر الجزائريين ضد هذا الترسيم هو بسبب تحويل يوم 12 يناير إلى يوم عطلة مدفوعة الأجر مرة كل سنة، وهناك من تمادى في السخرية واعتبر القرار الذي اتخذه الرئيس بوتفليقة منفردا بمثابة ترخيص سياسي يخول “تنظيم إضراب كل يوم 12 يناير”.

وهكذا تكشف ردود الفعل هذه عن مسألة تحتاج إلى فحص دقيق، وهي أن قضية الهوية الأمازيغية في الجزائر لم تدرس دراسة علمية ناضجة في ظل مناخ خال من التوترات والحسابات السياسيوية إلى يومنا هذا، وبسبب هذا فقد بقيت هذه القضية أشبه باللغم الذي يثير المخاوف، وينذر بالتصدعات السياسية، وبنشوب صدامات إثنية قد تؤدّي جميعا إلى انزلاقات خطيرة تخلخل استقرار البلاد الهشّ وتحوّل نزعة الانفصال إلى تقطيع للأوصال.

كان من المفروض أن تشهد قضية الهوية الأمازيغية حوارا وطنيا علميا يقوده ويتصدّره المفكّرون والأنثروبولوجيون وعلماء اللسانيات وفقه اللغات ودارسوا ونقّاد الثقافة والمؤرّخون وفلاسفة التاريخ، وذلك بهدف تحقيق غاية أساسية، وهي التمييز أولا بين المنظور التاريخي والثقافي والحضاري للهوية بما في ذلك عناصرها التي تنتمي إلى الأبعاد اللغوية والثقافية والسياسية، وبين المنظور العرقي الذي يحصر مكون الهوية في بعد واحد، وهو البعد السلالي الدموي، ومن ثم الشروع، ثانيا، في دراسة خصائص فرادة هذه الهوية دون طمس أو إهمال أو إنكار تناصها مع تنوّع الثقافات والحضارات التي كان لها لقاء بها في مختلف الدورات التاريخية.

وفي الواقع فإن مشكلة الهوية الأمازيغية في الجزائر، هي نتاج وعرض لإدمان النظر إليها كهوة فاصلة بين الإثنيات، وكتهديد للوحدة الوطنية، وللفشل الذريع، على مدى خمس وخمسين سنة من عمر الاستقلال، في تأسيس معمار “بنية المشاعر” الوطنية الديمقراطية التي تنهض عليها الدولة الوطنية الجامعة.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر