الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أول أيام التفاوض في جنيف.. وفلسفة الأسد

نشأت نسختان عن سوريا التي يعرفها العالم، نسخة في الإعلام والصحافة والمؤتمرات، ونسخة في الواقع بعيدة كل البعد عن الأولى.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/01/24، العدد: 9448، ص(24)]

الفلسفة التي تتبناها الخارجية السورية منذ استولى حافظ الأسد على الحكم، وابتلع الدولة والمؤسسات، تقوم على الباطنية السياسية، المستقاة من ثقافة باطنية يتحدّر منها الأسد وأعمدة حكمه، فكان من الطبيعي بل والمبهر لنظر السياسيين السوريين من أتباع الأسد، نجاحه في المخادعة والمماطلة وعدم الوفاء بالعهود الدولية وكسب الوقت والتهرّب من الالتزامات وديون الدولة وابتزاز دول الخليج العربي بذريعة كون سوريا دولة من دول المواجهة مع إسرائيل، وكانت بضاعته التي يسوّقها ويتاجر بها تنقسم إلى قسمين “سوريا” وكيف يمكن استثمارها بالنسبة لأي محور أو دولة أو سلّة مصالح دولية، من جهة ومن جهة أخرى” استعداد ودور النظام” في تنفيذ أي مشروع يطلب منه مهما كان اتجاهه، في قاعدة ثابتة لم يتخلّ عنها يوما كانت ولم تزل “الاستقرار من أجل الاستمرار”.

فنشأت نسختان عن سوريا التي يعرفها العالم، نسخة في الإعلام والصحافة والمؤتمرات، ونسخة في الواقع بعيدة كل البعد عن الأولى، ولم تكن المؤتمرات والاتفاقيات والظهورات الإعلامية إلا غطاء أحيانا كان نظام الأسد يتخلى عنه فهو ليس ضروريا دائما بالنسبة إليه.

في هذا اليوم يتحاور وفدا الائتلاف السوري الممثل للثورة السورية، والنظام السوري الذي قتل الشعب السوري، لتطبيق بيان جنيف 1، الذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية تحل محل النظام القائم، ويذهب الوفد المعارض مسلّحا بالرأي العام العالمي الذي يدين الأسد، ويلحّ على أنه لا مستقبل له في المنطقة، بينما يذهب وفد الأسد إلى جنيف 2، بأسلحة أخرى، تقوم على الفلسفة الدبلوماسية الباطنية التي اشتهر بها نظامه، ولم ينجح السوريون في ثورتهم حتى اليوم في الوصول إلى فلسفة مماثلة، تجعل السياسي لا يهتم بأية قيمة أو سلسلة أخلاق أو شعارات يرفعها أو شعب يقتله أو مدن يقصفها أو أسلحة دمار شامل يستعملها، ويسكت العالم له، ويسمح له بالاستمرار، والسرّ في هذا أنهم يصدّقون أن العالم يبحث عن بديل عن الشيطان الذي يعرفه “نظام الأسد” والذي هو خيرٌ من الشيطان الذي لا يعرفه الذي يمكن أن يحلّ محلّه.

ففي جنيف ذاتها، وفي مارس من العام 2000، التقى حافظ الأسد مع الرئيس الأميركي بل كلينتون في جلسة مباحثات عن عملية السلام في الشرق الأوسط، استغرقت أربع ساعات متواصلة، كان شاهدا عليها أحد أعضاء وفد الأسد الابن إلى جنيف 2 اليوم، إنها مترجمة الأسد بثينة شعبان، التي تحدثت بفخر بعد تلك المسيرة الطويلة من العمل كمترجمة فورية في القصر الجمهوري، وكانت تتباهى بنصيحة أسداها لها حافظ الأسد يوما، حين بدأت العمل معه، فقد اشتكت إليه بأنها تشعر بتوتر بفضل حساسية ما قد يقوله الرؤساء والمسؤولون للرئيس في الجلسات المغلقة، وأنها تشعر بأمانة ثقيلة على كتفيها، فلم يكن من حافظ الأسد إلا أن قال لها: “ولماذا التوتر؟ ما تفهمينه ترجميه، وما لا تفهمينه، لا تنقليه لي، فليس مهما ما يقولون”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

:: اختيارات المحرر