الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

من يرد الاعتبار للمرأة؟

القوانين المتطرفة المبنية على تفاسير خاطئة للديــن لا تخدم إلا مصالح أصحابها الذين يحاولون تقييد المرأة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2013/08/15، العدد: 9290، ص(21)]

هل تحتاج المرأة الجزائرية حقا إلى من ينصفها ويرد لها اعتبارها بعد أن جردتها السلطة الذكورية من حقوقها الأساسية وجعلتها مجرد كائن مستضعف ومهمش؟

أكثر من سؤال يطرح نفسه ويبحث له عن إجابة شافية تبرر الوضع الراهن الذي أضحت عليه وضعية النساء في بلد مثل الجزائر، يمتلك من الإمكانيات المالية ما يجعله في مصاف الدول المتقدمة لو أتيحت الفرصة للمرأة لتكون شريكة فاعلة.

لكن للأسف تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فلا الأموال ولا الرجال يصنعون الحضارات إذا كان نصف المجتمع مشلولا.

انطلاقتنا في الحديث عن المرأة الجزائرية ليست اعتباطية، بل لأن هذه المرأة قدمت الكثير من التضحيات لوطنها من أجل تحريره ونصره، والتاريخ حافل بإبداعات وبطولات هذه المرأة التي قدمت الغالي والنفيس لأجل رفع راية الجزائر وتربية الأجيال، ولكن عوض أن تكرم تهان.

إن امرأة جزائرية واحدة في عهد الثورة التحريرية كانت بمثابة ألف رجل، لم يـرهق كاهلها تعدد المسؤوليات ولم ترهبها الأخطار ولا الأهوال، بل كانت دائما سندا قويا للأب و الأخ والزوج والإبن والأهل والجار.

حملت السلاح ضد المستعمر وتحدت الحرب والموت لتثبت أنها فعلا النفس الثاني للجزائر الذي يراد اليوم إخراسه إلى الأبد، فهل هذا جزاء هذه السيدة العظيمة؟

وضع المرأة الجزائرية اليوم لا يبشر بأي خير، بل هو في طريقه إلى التردي يوما بعد يوم، وحالها حاليا لا يختلف كثيرا عما تعانيه النساء في عدة دول فقيرة، مثل أثيوبيا ومالي وبنين.

فالجزائر التي كانت في المرتبة 97 في عام 2006 في مجال حقوق المرأة، أصبحت في المرتبة 120 من أصل 135 دولة حسب دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي.

وهذه الصورة القاتمة لوضعية المرأة الجزائريــة تمثل أنموذجا مصغرا يختزل وضعيــات عديــد النساء العربيــات اللاتي مازلن يعانين من أنواع مختلفة من الممارسات التمييزيــة والإقصائيـة لهن والتي تحتكم في مجملها إلى التعصب الديــني الذي لا تعنيــه أنوار الإصلاحات بقدر ما يتمسك بالظلمات وعصر الحريــم.

يتوهم من يظن أنه من الممكن أن تقوم تنمية بشرية في مجتمع يرزح تحت وطأة عادات وتقاليد وأعراف تحتكم إلى ثقافة التعصب والتطرف وتتمسك بالنظرة الدونية إلى المرأة وتقـلـل من قيمتها ومكانتها، وتعاملها على أنها كائن قاصر لا ينتج ولا يبتكر.

إن هذه القوانين المتطرفة المبنية على تفاسير خاطئة للديــن لا تخدم إلا مصالح أصحابها الذين يحاولون تقييد المرأة وجعلها الضحية، وحبسها في المنزل وضربها وإهانتها بدعوى تطويــعها وتأديبـــها، من أجل طمس دورها في المجتمع، وتدميـــــر شخصيــتها حتى تكون جاريــة مطيـــعة تلبي نزواتهم وشهواتـهم.

لقد عانت المرأة على امتداد تاريخ طويل من الظلم والاستبداد والقهر لكنها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بكسر شوكة المتطرفين الذين بدؤوا يتغولوا بعد ثورات الربيع العربي ويحاولون بكل أساليبهم الملتوية التعدي على حقوقها من أجل التشريع لأنظمتهم السياسية الوهابية الإرهابية، وقوانينهم الجاهلية التي تفرق بين فئات المجتمع وشرائحه عوض أن تضيق الهوة وتحقق العدالة الاجتماعية.

إن سجلات التاريخ أكبر شاهد على معاناة المجتمع الجزائري خلال التسعينات من جحيم السلفية الوهابية التي لا تؤمن بالديمقراطيــة.

وإنما كانت الديمقراطية مجرد مطية وأداة لتحقيق أغراضها والسيطرة والانتشار بين الناس بهدف إيجاد الأرضية الخصبة لقوانينها المتطرفة، وهذا يشكل أكبر خطر يهدد الانسجام الاجتماعي والسلم والتسامح بين الشعوب.

وتحقيق الديمقراطية في المجتمعات العربية ليس مجرد شعارات يرفعها أصحاب هؤلاء العقول المريضة ولا يفهمون معناها، بل لابد أن تكون الانطلاقة الحقيقية بتحسين وضعيــة المرأة والقضاء على كل أنواع التمييز بينها وبين الرجل، والفصل بين أشكال السيطرة والظلم الاجتماعي، من أجل إحداث التغيير الإيجابي في المجتمعات العربية والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر