السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

كلام للسيسي.. سنحتاج إليه، إلى الكلام طبعا

لا تؤدي شعارات القادة في بدايات حكمهم، بالضرورة، إلى النتائج التي ينتظرها الشعب. كانت بداية مبارك مبشرة، ثم انقلبت الشعارات إلى كوارث.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/01/29، العدد: 9453، ص(8)]

عام 2012، كنت من بين 134056 مواطنا منحوا أصواتهم لشاب أصغر مني سنا، اسمه خالد علي، في الانتخابات الرئاسية، واحترمت خيار 5764952 انتخبوا محمد مرسي في الجولة الأولى، و13230131 مواطنا اختاروه في الجولة الثانية. التزمت الصمت الجميل، وكتبت كلمة تحية لمرسي حين قرر العفو عن النشطاء، وانتقدت سياسات ومواقف أخرى كثيرة.

وفي عام 2012 أيضا كنت شاهدا على جريمة القصر الجمهوري، وتعاون شرطة وزير الداخلية أحمد جمال الدين مع الإسلامجية، مساء 5 ديسمبر حتى مطلع فجر اليوم التالي. ويوم 2 مارس 2013، بعد توحش الشرطة في القتل، كتبت بيانا عنوانه: “نسحب الثقة من الرئيس ونطالب بمحاكمته”، راعيت أن يكون موجزا ومحددا، ويصف مرسي بالرئيس السابق، ويقول نصه:

“نعلن نحن الموقعين على هذا البيان سحب الثقة من الرئيس السابق محمد مرسي، بعد ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، بدأت في ذكرى محمد محمود في نوفمبر 2012، وتصاعدت في بورسعيد في نهاية يناير الماضي (واعترف في التلفزيون بأنه أمر الشرطة باستخدام القوة)، وتستمر الجريمة في المنصورة بدهس المواطنين بالمدرعات، والقتل والمطاردات بمشاركة الشرطة والبلطجية. وبهذا الإجراء تصحح الثورة بعض أخطائها، وتعود بعد تعثر إلى النقطة الأولى من مسارها، إلى 11 فبراير 2011، وما يترتب على ذلك من تشكيل مجلس رئاسي مدني يشرف على وضع الدستور ولا يحق لأعضائه (وبينهم عسكري) الترشح للرئاسة بعد وضع الدستور.

وندعو الحقوقيين لتصعيد قضية محاكمة مرسي أولا، حتى لو وصل الأمر إلى محكمة الجنايات الدولية، ونحن إذ نطالب بذلك فإننا نهدف إلى تجنيب البلاد حربا أهلية، وإعفاء الرئيس السابق من مصير القذافي”. هذا البيان رفض الأبنودي التوقيع عليه.

في 5 يونيو 2013 كتبت البيان الأول لاعتصام المثقفين والفنانين في وزارة الثقافة، وهو البيان الوحيد الذي ظل مخطوطا. ولست نادما على ذلك كله، كنت أشارك في مقاومة استبداد باسم الدين، ومن الأسهل أن أقاوم استبدادا يلوح باسم الوطنية، فلا يوجد عاقل يستبدل بالتكفير الديني تكفيرا وطنيا.

عام 1952 لم ينتظر سيد قطب كثيرا ليتأمل المشهد بعد 23 يوليو، بلغت حماسته لضباط يوليو درجة التطرف، فبعد أسبوعين كتب يحذرهم أن يعودوا إلى الثكنات، ولا يتركوا “الميدان لرجال السياسة”، وفي 15 أغسطس 1952 كتب تحت عنوان “حركات لا تخيفنا” معلقا على أحداث عنف في شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدور يومي 12 و13 أغسطس، ورآها حوادث مصطنعة، “ولكن هذا لا يخيفنا، لقد كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا… لقد أطلع الشيطان قرنيه فلنضرب، لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب”. وقضت محكمة عسكرية بإعدام العاملين الشابين مصطفي محمد خميس ومحمد حسن البقري. كان الرجل حادا في دعمه الكامل للضباط، إلى درجة لا تدانيها، في فترة لاحقة، إلا حدته وتطرفه في معاداتهم، والانتقال من تسويق “الثورة” إلى التبشير بحلم “الخلافة”. وفي عام 1954 دافع عبد الرزاق السنهوري عن الحكم العسكري، وكان من ضحاياه وضرب بالحذاء، حقيقة لا مجازا.

الجنرال السيسي وعد وقال كلاما معسولا، قبل 30 يونيو وبعدها، ولولا انحياز الجيش لإرادة الشعب الرافضة لحكم الإخوان، في 3 يوليو، لقامت حرب أهلية، ولو انحاز الجيش لما يعتبره الإخوان “الشرعية” لصار السيسي بطلا إخوانيا ولكن ثمرة 30 يونيو تذهب الآن في اتجاه آخر.

ولا تؤدي شعارات القادة في بدايات حكمهم، بالضرورة، إلى النتائج التي ينتظرها الشعب. كانت بداية مبارك مبشرة، ثم انقلبت الشعارات إلى كوارث؛ فبعد تنصيبه رئيسا قال: “لن أرحم أحدا يمد يده إلى المال العام، حتى لو كان أقرب الأقرباء، إنني لا أحب المناصب ولا أقبل الشللية، وأكره الظلم ولا أقبل أن يظلم أحد، وأكره استغلال علاقات النسب”، ثم قال في الأسبوع التالي: “لن أقبل الوساطة وسأعاقب لصوص المال العام… مصر ليست ضيعة لحاكمها”، وفي الشهر الرابع، ومع اكتمال جنين حكمه البائس قال: “الكفن ما لوش جيوب، سنعلى من شأن الأيادي الطاهرة”.

لكن طول بقاء مبارك على الكرسي أدى إلى تكاثر الطحالب، وتكالب ذوي المصالح، وتقنين الفساد حتى أصبح فسادا عاريا لا يتوارى ولا يخجل، بل يفرض نفسه في وقاحة وقدر غير مسبوق من الفجور والشراسة. وحين سمح بالكلام عن النهب المنهجي لثروات مصر، عمد مبارك إلى تنفيذ نظرية معاوية، فلا يحول بين الناس وبين ألسنتهم، ما داموا لا يحولون بينه وبين الكرسي.

ولم يكن جمال حمدان مبالغا، حين سجل في مذكراته الخاصة أن مصر مرشحة، في ظل خيارها ليس بين السيء والأسوأ، بل بين الأسوأ والأكثر سوءا، “لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى وطن إلى مقبرة بحجم الدولة… الرأسمالية الهوجاء مقتل مصر الطبيعية”.

ثلاثون عاما غيرت الرجل، تغير قبل إتمام ثلاثة عقود في الحكم، تغير منذ نحو خمسة عشر عاما، صار الشعب فيها إما شاهدا على الخراب، مغيبا بإرادته أو بالإكراه، وإما شهيد الدمار. وتعددت وسائل الشهادة، حيث تراق الأعمار بلا كرامة، في زمن أراده مبارك صلدا أملس، لا يصلح لإنبات عشب، ولا تثبت عليه قدم، غامت شمس مصر، ولانت عظام جيل كامل أدرك أنه غير مهيأ للثورة، لا نجم في الأفق، ولا أمل في حرية أو عدالة، إذ “وزع خراج مصر أربعة وعشرين قيراطا، أربعة عشر للسلطان، وستة للأغنياء، وأربعة للجند. وحين سئل عن نصيب المصريين، بعد أن وزعت القراريط، أجاب: لهم بحمد الله القيراط الخامس والعشرون، هو في جنة الخلد”.

وهذا كلام سنحتاج إليه، وأذكر السيسي، وأي سيسي بمثال آخر، بطله عبد الملك بن مروان، فيروي السيوطي أنه “كان عابدا زاهدا ناسكا في المدينة قبل الخلافة.. وقال نافع: “لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك، ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان”. وقال عبد الملك لجندي من جيش أرسله يزيد بن معاوية لقتال عبد الله بن الزبير، حين قابله في المسجد النبوي: “أتدري إلى من تسير؟ إلى أول مولود في الإسلام، وإلى ابن حواري رسول الله، وإلى ابن ذات النطاقين (أسماء بنت أبي بكر الصديق)، وإلى من حنكه رسول الله. ثكلتك أمك، أما لو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار”.

وكان عبد الملك يقرأ القرآن، حين بلغه أنه بويع، فأطبق المصحف، وقال: “هذا آخر عهدنا بك”، وفي العام الثاني لولايته، ألقى خطبته قائلا: “أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف (عثمان)، ولا بالخليفة المداهن (معاوية)، ولا بالخليفة المأفون (يزيد)، ألا أنني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم.. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”. ولم يبال بقوله القديم بحق عبد الله بن الزبير، وجهز له جيشا يقوده الحجاج بن يوسف، وحاصره بمكة شهرا، ثم ظفر به، وقتله وصلبه.

الشعب المصري أنضجته 25 يناير. وقضت فذلكة التاريخ أن يتنافس وجها العملة، مبارك والإخوان، أن يلهث حصانا عربة رأسمالية غايتها المحطة الأميركية، وأن يتدافعا بأكتافهما لقيادة الحافلة، ولم ينتبها إلى أن الشعب يراقب في صمت رغبة كل منهما في القضاء على الآخر، ثم ينهض ويلقي بهما تباعا، في أقل من 30 شهرا، من النافذة. رغم مليون و300 ألف شرطي وقانون الطوارئ ومئات الألوف من البلطجية سقط مبارك، وما ذلك على الشعب بعزيز.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر