الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

3 مشاهد قبل حماقة الفض

من حسن الحظ أن الإخوان دون ذاكرة، وسوف يرتكبون الحماقات نفسها، وهم كذبة بالفطرة، وإذا كفوا عن الكذب فلن يكونوا إخوانا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/08/15، العدد: 9290، ص(9)]

في الواحدة من ظهر 19 نوفمبر 2011 انطلقت مصفحة للشرطة من شارع محمد محمود، ومالت يمينا في حركة استعراضية بميدان التحرير، بعد دقائق من حماقة تفريق عدد محدود من أهالي الشهداء بالميدان. كان الأهالي ينتظرون الإنصاف، ولم يكن يبالي بهم أحد، ولكن هدم الخيام واستفزاز أبواق المصفحات استدعى الآلاف إلى مصدر الخوف.

وفي أحداث مجلس الوزراء، بعد يومين من قيام جنود بتعرية فتاة وضرب أخريات، ورمي مواطن في الزبالة، انقطعت الكهرباء بضع دقائق عن ميدان التحرير (مساء 20 أو 21 ديسمبر 2011). لم نسأل عما إذا كان الإظلام مقصودا أو غير متعمد، ولكنه كاف لإسراع الآلاف إلى الميدان. في الثالثة فجرا، اقترحت على عزة مغازي زميلتي، أن تعود إلى البيت، الاشتباكات تكاد تتوقف، هذا يكفي لإبراء ذمتها أمام ضميرها، وعليها أن تأتي في الصباح. قالت إن والدتها رفضت في الأيام الأخيرة حضورها إلى الميدان، وحين شاهدت الأم في التلفزيون جنودا يجرون مواطنين، جرحى أو قتلى نحو كوم زبالة، قالت لها: انزلي الميدان يا بنتي، روحي للغلابة، لا أريد أن أراك في الطريق إلى الزبالة.

وفي مساء الأربعاء 5 ديسمبر 2012، ولم أكن ذهبت إلى قصر الاتحادية حين زحفت الجماهير إليه في اليوم السابق. رأيت في مواقع التواصل الاجتماعي صورا لضحايا، قتلى ومصابين تشوهت وجوهم من التعذيب، فبكيت وخجلت من نفسي، حتى إنني لم أستطع أن أدعو أحدا وذهبت إلى مكان الخطر. وفي الساعة 12:10 من فجر الخميس 6 ديسمبر سقط أمامي شهيدان، برصاص ميليشيا الإخوان أو الشرطة، كنت مرشحا أنا وغيري، أن أكون أحدهما أو ثالثهما. كنا على بعد نحو 200 متر من القصر، وعلى بعد خطوة واحدة من الأمل وزادت الأعداد، والأحرار يأتون فرادى استجابة لنداء الحرية، لا يسوقهم مرشد، وليس عليهم سلطان إلا ما جاؤوا هنا من أجله. قلت إن هذا شعب لا يغلبه تنظيم سري مسلح، حتى لو وصل إلى السلطة عبر آليات ديمقراطية، وسننتصر.

أتذكر الآن هذه المشاهد الثلاثية، وسط حروب الكلام عن فض اعتصامين لجماعة الإخوان وأنصارهم، عند مسجد رابعة العدوية وميدان نهضة مصر. بقي أن تعلن السلطة التي لا تتمتع بالكفاءة خلو مصر من المشكلات، باستثناء هذه الأزمة التي يمكن تجاوزها، مع الانتباه إلى عدم تجاوز هذا الحيز الجغرافي، ومنع الأذى أن يخرج بحصاره حصارا احترافيا لا يوقع جرحى. هذا اختبار لكفاءة الشرطة في حماية المسالم والمسلح معا تمهيدا للقبض عليه وتسليمه إلى العدالة، بدلا من استسهال القتل. أما التصدي والفض والكلام الكبير عن العنف كضرورة في مواجهة جماعة تقتات العنف، وتعيش على الكذب، فلا يخدم إلا أهداف الجماعة التي تتسول التعاطف الدولي، وتستعير صورا قديمة لأطفال سوريين وتصدرهم للعالم كضحايا لمجزرة الحرس الجمهوري، وتساوم أهالي بعض القتلى وبعضهم من ضحايا الإخوان، أن يدعوا أنهم من الإخوان. العالم لا يبالي بالضحايا اليتامى، ويتعاطف مع الضحية حين يكون له أب قوي أو مرشد لتنظيم دولي، والإخوان آباء لأي مجرم ينتمي إليهم.

لم يتعاطف العالم مع ضحايا مجزرة مدينة بور سعيد في نهاية يناير 2013، حين قتل 40 منهم عجوز فوق كرسي متحرك، وأطلقت النيران على جنازة للمرة الأولى في تاريخ مصر، وقال محمد مرسي في التلفزيون إنه أمر الشرطة باستخدام القوة، ثم برر ذلك في اجتماع مع قيادات نسائية في أبريل 2012: «ممكن نضحي بشوية عشان الوطن كله يمشي، مفيش مشكلة بتاتا».

بلغ السخط على مرسي والإخوان مداه، قبل 30 يونيو وقبل خلعه في 3 يوليو، ثم زاد التعاطف معه ومعهم بعد سقوط ضحايا في أحداث ملتبسة، والإخوان يجيدون تمثيل دور الضحية، وينتظرون هذا الخيار ويسعون إليه، وأي استخدام للقوة في فض هذا الجمع سيبرر للإخوان سلوكهم المريض، أمام جموع من التابعين لهم ممن خيل إليهم أن ما يجري ليس خلافا سياسيا، وإنما هو حرب مقدسة بين الإسلام والكفر، فيتحصنون بمزيد من الدفاعات بدلا من الخندق في غزوة الأحزاب.

مصر أكبر من هذا الحماقة، والشعب قادر على الفرز. ومن حسن الحظ أن الإخوان دون ذاكرة، وسوف يرتكبون الحماقات نفسها، وهم كذبة بالفطرة، وإذا كفوا عن الكذب فلن يكونوا إخوانا، سيصبحون مسلمين حنفاء. ورغم كذبهم المتواصل على الناس فإنهم لا يستطيعون أن يكذبوا على أنفسهم كثيرا؛ بدليل أنهم في مواجهة استعادة الشعب ثورته في 30 يونيو، احتموا نفسيا بثورة 25 يناير، ولكنهم لم يتمكنوا من مواصلة الكذب، فتوالت الحماقات برفع أعلام غير مصرية، ثم تكفير المختلف معهم في الرأي، وأحيانا تعذيبه أو قتله، وأخيرا رفع علم مصر مقلوبا أمام دار القضاء العالي، في إهانة لمفهوم الوطن. دعوهم في الغيبوبة، ستأكلهم أوهامهم، أو يرحلون.

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

العالم الآن

:: اختيارات المحرر